ما الدولة؟ هذا الكائن يتزاحم اللبنانيّون على امتداح صفاته أو انتظار قدومه، ويكنّون مشتهاهم بشتّى التحديدات، من “الدولة الوطنية” إلى تلك “الديموقراطية” إلى “العادلة” إلى “القوية القادرة” إلى “دولة القانون” الى “الدولة المدنية”، وغالباً ما يحضر في منطوقهم بعبارة “بناء الدولة”.
ينبغي الاعتراف بأن هذا الكائن لا يزال يلفّه غموض كثير، ويبدو استحضاره أقرب إلى المسلك الشعري حيناً، والإحالة التجريدية حيناً آخر. فـ”التصوّف باسم الدولة” هو سمة عامة ليس فقط لخطاب الساسة، بل أيضاً لخطاب كل الناس، ومعه كذلك لازمة الشكوى “أين الدولة؟”، و”متى الدولة؟”، وأحياناً تنقلب الشكوى تبريراً للخروج على الدولة، كذلك المنطق الهزلي الذي يعتمده “حزب الله” فيسوّغ إقامة دويلته المسلّحة بحجّة غياب أو ضعف الدولة اللبنانية. من خلال هذه الدويلة يقدّم النموذج للدولة القوية القادرة التي يأتي أحياناً على ذكرها في بعض أدبياته، وفي سياق سجاليّ محض مع أخصامه في حركة الرابع عشر من آذار.
ما الدولة؟ إنها قبل كل شيء جهازها، أي جيش من الموظفين، ومقرّهم الرئيسي سلسلة المباني الحكومية.
بهذا المعنى ثمّة جيش من الموظفين ومبانٍ حكومية، إذاً ثمة دولة في لبنان.
لكن إذا انتقلنا إلى تقسيم العمل المفترض في جيش الموظّفين هذا، والمصادر البشرية التي تصنع هذا الجيش، وعلاقة هذا الجيش من الموظّفين بالناس الذين هم من خارجه كهيكلية مع أنهم ينتمون إلى هذه الدولة كدولة برابطة اسمها المواطنية ومضمونها المساواة الكاملة في ما بينهم أمام القانون، أي أمام الدولة، عندها يظهر حجم العطب، وإلى درجة تقترب من الاستعصاء: استعصاء إعادة تشغيل هذا الجيش من الموظّفين ومن المباني الحكومية التي تشكل جهاز الدولة. والمشكلة مزدوجة في بلد كلبنان: هذا الجهاز بدواوينه المتآكلة والمرتكزة إلى تراث من المحاصصة، يعرقل أموراً باتت أكثر من حياتية، وتتطلّب ورشة واسعة من تحديث القوانين، لكنه في المقابل لا يؤدي وظائفه السيادية في الحد الأدنى والمتّصلة بتعميم الاحتكام إلى القوانين على طول الخط.
السؤال هو إذاً، من بمستطاعه القبض على ناصية هذه الازدواجية، ازدواجية أن هناك فعلاً دولة في لبنان، لكنها تشتغل حيث لم يعد ينبغي أن تشتغل (الرقابة على الإبداع على سبيل المثال لا الحصر، ناهيك عن بيروقراطية عاجزة عن مواكبة دينامية الاستثمار وحركة الأسواق من دون أن يأتي هذا العجز بمنفعة إلى ذوي الدخل المحدود على ما يمكن أن يشيّعه الخطاب الشعبوي التقليدي)، لكنها لا تشتغل حيث ينبغي إن تفعل ذلك (المهمات السيادية الأساسية، بدءاً من حماية الحدود).
قد يكون مفهوماً في معرض سجال أن يختار الساسة مبالغات من نوع “ليس هناك دولة في لبنان” ومبالغات من نوع “أن قيام الدولة يحل كل المشاكل”. لكن الحقيقة أن ثمة دولة، بدليل جهازها، لكنه جهاز منتفخ حيث ينبغي أن يكون رشيقاً، وهزيل حيث ينبغي أن يكون مكتمل البنيان، وهو ما يرتبط بعلاقة غير سوية بينه وبين الناس في هذه الدولة، أي المواطنين فيها، فهؤلاء يتعاملون مع الدولة على أنها شيء آخر غريب عنهم، مفهوم مجرّد أو أسطوريّ تماماً، يتمثّلونه بحسن تدبير الأمور في الدول الأخرى “الأكثر تقدّماً”، وهذا انعكاس لغياب المواطنية، ليس فقط في الوعي بل قبل كل شيء في واقع الأمور: في عدم اكتمال الأسس القانونية للمساواة بين اللبنانيين أمام القانون في لبنان.
الدولة ليست غائبة في لبنان. الدولة موجودة إنما بالمقلوب: حيث لا ينبغي، وغائبة حيث لا ينبغي. لأجل ذلك ليست الدولة بالمعنى المجرّد هي حلالة المشاكل في لبنان، بل إن بعض التحرّر من “دولتيّة الخطاب” لا يشكو من شيء، إذا ما أردنا إصلاح ما عندنا من دولة