كتبت صحيفة “الراي” الكويتية:
فيما لا يزال التهديد السوري الذي أبلغته وزارة الخارجية السورية الى نظيرتها اللبنانية في رسالة رسمية بقصف ما أسمته «مجموعات ارهابية» تتسلّل من لبنان الى سورية يتصدّر التطورات اللبنانية منذ ايام، بدا واضحاً ان طغيان المشهد الامني بشقّه الحدودي مع سورية والداخلي من حيث التوترات المتصاعدة في طرابلس خصوصاً، قد فاقم حالة انعدام الرؤية على صعيد حسم الازمة السياسية المتصاعدة في البلاد والتي يشكل العجز عن التوافق على قانون جديد للانتخاب احد «عوارضها».
ولم تنظر قوى 14 آذار، التي أحيت امس في «البيال» الذكرى الثامنة لانطلاقتها في 14 مارس 2005 بمشهد استعادت معه صورة «يداً واحدة» بعد التصدّع الذي اصابها جراء التباينات بين مكوناتها حول قانون الانتخاب، بارتياح الى الموقف الرسمي في التعامل مع التهديد السوري والذي بدا كأنه يشدد على مبدأ النأي بالنفس اكثر من تفنيده للمزاعم التي اوردتها الرسالة السورية.
ولفتت اوساط معارِضة لـ«الراي» الى ان ثمة الكثير من المعطيات التي تتجاهلها الحكومة حتى الآن في عدم اتخاذها موقفاً حاسماً من التهديدات السورية والتي تثبت ان نظام الرئيس بشار الاسد يتعامل مع لبنان من زاوية توظيفه واستباحته كساحة لاطلاق الضغوط والرسائل في اتجاهات مختلفة.
ولاحظت المصادر ان مقتل مسؤول عسكري ميداني في «حزب الله» في سورية وتشييعه في الساعات الاخيرة في لبنان يشكل الاثبات الجديد على تورط الحزب في القتال الى جانب النظام في حين ان تصريحات المسؤولين اللبنانيين توحي بتبرير التهديدات السورية لجهة تشديدها المتكرر على ضرورة عدم حصول اي تسلل من لبنان الى سورية.
وأعربت عن اعتقادها ان المستوى المنخفض للتعامل الرسمي مع هذه التهديدات ينمّ في أقلّ الاحوال عن ارباك ورغبة في عدم تفاقم الامور سواء على المستوى الميداني او على المستوى السياسي، ولكن ذلك يرتّب في المقابل ظهور لبنان كأنه في موقع تبريري.
ولا تستبعد الاوساط المعارضة ان يكون الموقف الرسمي «المنخفض» وسيلة لتجنب مشكلة جديدة داخل الحكومة نفسها في وقت ستُقبل في الايام القليلة المقبلة على اختبارات قاسية في ملفات اخرى ابرزها بت مشكلة سلسلة الرتب والرواتب وكذلك مسألة تشكيل هيئة الاشراف على الانتخابات في الجلسة التي سيعقدها مجلس الوزراء الخميس المقبل.
وفي هذا السياق تبدو البلاد الآن في «اجازة» مع غياب رئيس الجمهورية ميشال سليمان في جولته الافريقية التي يرافقه فيها ستة وزراء، كما مع وصول الرئيسين نبيه بري ونجيب ميقاتي مساء السبت الى روما لحضور حفل تنصيب البابا فرنسيس الاول الذي سيقام في الفاتيكان غداً.
وفي اعتقاد الاوساط المعارضة ان الاسابيع المقبلة تتسم بخطورة الى حد بعيد لانها ستكشف مزيداً من الاثباتات على رغبة قوى حليفة للنظام السوري في لبنان وكذلك النظام نفسه في الاطاحة بالاستحقاق الانتخابي كعنوان كبير لاخضاع لبنان لتداعيات الازمة السورية وتوظيفها في اطار المعارك الاقليمية والدولية المتصلة بهذه الازمة.
وتشير الاوساط نفسها الى ان ثمة ترابطاً واضحاً بين التهديدات السورية بقصف المناطق الحدودية الشمالية في لبنان والافتعالات التي تتعرّض لها مدينة طرابلس في آن واحد على يد حلفاء النظام.
وتضيف انه في الوقت الذي نجح الجيش اللبناني في احتواء تحرك امام مسجد بلال بن رباح الشيخ احمد الاسير في صيدا، تصاعدت عمليات العبث بأمن طرابلس وبدأ الكلام يكبر عن احتمال اندلاع جولة مواجهات جديدة فيها، ولا سيما ان ليل السبت – الاحد شهد توتراً كبيراً بعد تعرُّض شابين علوييْن من جبل محسن للضرب في باب التبانة (ذات الغالبية السنية) ثم طعْن شابين من التبانة بالسكاكين من شبان من «الجبل»، الأمر الذي أعقبه رمي بعض القنابل عند «خط النار» الفاصل بين المنطقتين اي في «شارع سورية» الى جانب بعض الرشقات النارية، وسط توقعات بان الانزلاق الى «الانفجار» بات قاب قوسين أو أدنى.
ولفتت الاوساط الى ان مجمل هذا المشهد يصب في النهاية في العناوين التي بدأت بعض المراجع يرددها عن اولوية الامن على الانتخابات كأن البحث عن تبرير لتأجيل الانتخابات بدأ يتقدم البحث عن قانون جديد للانتخاب.
وهو امر يزيد الشكوك في قدرة القوى الراغبة في اجراء الانتخابات على اساس توافقي في ما تبقى من أسابيع قليلة يخشى ان تحصل خلالها تطورات اضافية تعزز القوى العاملة على عرقلة الانتخابات وتأجيلها.
وكان بارزاً امس في هذ السياق، جزْم «حزب الله» ان «معركة» تشكيل الهيئة العليا للاشراف على الانتخابات محكومة بالانتهاء لمصلحة اسقاطها وتالياً تكريس دفن قانون الستين النافذ الذي تمت دعوة الهيئات الناخبة وفتح باب الترشيحات على اساسه، الامر الذي سيعني ان الجولة التي ستلي هذا «السقوط» ستنطلق من «توازُن» جديد عنوانه ان المشروع الارثوذكسي الذي ينتخب بموجبه كل مذهب نوابه «امامنا» و«الستين وراءنا»، وسط انطباع بان ما بينهما من طروحات لن يفضي الى اي نتيجة في ظل تصعيد قوى 8 آذار ورفضها اي مشروع لا يكون لنظام الاقتراع النسبي فيه «الغلبة» على «الأكثري» مع رفعها السقف مخيّرة بين «الارثوذكسي» او لبنان دائرة واحدة مع النسبية.
أعلن نائب «حزب الله» حسن فضل الله ان «الأكثرية الوزارية متفقة على التصويت ضد انشاء لجنة الاشراف على الانتخابات باعتبارها جزءا من قــانــون الـــستــين وذلـــك ايـــاً تكن النتائج والتداعيات»، مؤكداً «أن التلويح بخطوات تعطيلية لمجلس الوزراء او لمؤسسات الدولة للضغط على الاكثرية الوزارية لن يغيّر قرارها فهي ستمضي به قدما في جلسة الخميس، وأي بند او آلية من آليات قانون الستين لن تمر في الحكومة. وفي جلسة الخميس سنهيل التراب على الستين بعدما دفن قانونياً وسياسياً ولن نترحم عليه».
وفي حين اعتبر نائب «حزب الله» علي فياض أن «ما يهدد اجراء الانتخابات النيابية ليس اقرار قانون انتخاب فقط، انما الفوضى الأمنية التي تتسبب بها بؤر التوتير المذهبي والجماعات التي تمارس الانــــفلاش المســـلح، أو التي تسعى الى اقامة مناطق مقفلة خارجة عن القانون»، لمح وزير الشؤون الاجتماعية وائل ابو فاعور الذي ينتمي الى كـــتلة النائب وليد جنبــــلاط الى «أزمة سياسية على مستوى الحكومة قد تؤدي الى وقف اجتماعاتها وجلساتها»، رغم أنه نفى اتجاها الى الاستقالة، معرباً عن خشيته من الذهاب الى «شلل حكومي كامل بفعل عـدم التوافق على قـــانون انتخاب والاطاحة بالاستحقاقات الدستورية»، مشيراً الى «ان الانتخابــات باتت في دائرة الخطر».