“النهار”: لماذا أخّر مجلس الوزراء العمل بقانون السير الجديد؟…قباني لا يراه قانونياً وشربل سيعيد طرحه في أول جلسة للحكومة

كتب عباس صالح في صحيفة “النهار”:

أثار قرار مجلس الوزراء القاضي بـ”استئخار” تنفيذ قانون السير الجديد صخباً في الاوساط التشريعية والقانونية، باعتبار ان تجميد (او تعليق او تأخير او تأجيل) اي قانون صادر عن مجلس النواب، لا يتم الا بقانون جديد، من البرلمان نفسه، على القاعدة الدستورية القاضية بفصل السلطات، وبالتالي لا يمكن ان يتم ذلك بقرار ولا بمرسوم ولا بغيره، وليس بمقدور اي سلطة مهما علا شأنها ان تحل محل مجلس النواب في ذلك. فما الذي حدث في هذا الاطار، حتى قررت الحكومة تأخير العمل به وتعليقه في شكل او آخر بعدما كانت السلطات المعنية باشرت تنفيذه، وبعدما اعتاد السائقون بعض المندرجات التي يتضمنها القانون الجديد؟ ومن هي تلك القوة الخفية التي استطاعت فرض “اجندتها” على الحكومة. وكيف للحكومة ان تستجيب وتتخذ قرارا مخالفا للدستور؟

في سياق إلقاء الضوء على هذه المخالفة الدستورية، سألت “النهار” وزير الداخلية والبلديات مروان شربل الذي قال “انني لست موافقا على تجميد  العمل بهذا القانون، وسأعرض الامر على مجلس الوزراء مجدداً، في ضوء الملاحظات التي استجدت، لكننا امام معضلة حقيقية بازاء هذا الأمر، اذ ان ثمة استحالة لتطبيق القانون الجديد بحذافيره، كما ان هناك استحالة مماثلة لتجميده، على اساس ان القانون لا يلغى الا بقانون مماثل من مجلس النواب،  وعلى هذا الاساس سأعرض الامر على مجلس الوزراء لنرى ما سنفعل”.

وبالغوص في التفاصيل معه، يكشف شربل ان هناك بنودا أساسية كثيرة يتضمنها قانون السير الجديد، لا يمكن ان تطبق، ويمكنني ان اعطيك عشرات الامثلة، من بينها ان على صاحب الشاحنة ان يدفع مبلغ 25 ألف ليرة لبنانية عن كل كيلو غرام منها كرسوم ميكانيك سنوية، وهذا خطأ مطبعي واضح، ذلك ان النص الاشتراعي يقضي بـ25 ليرة لكل كيلو غرام، وبالتالي اذا اردنا ان نطبق القانون كما ورد مطبعيا على شاحنة يبلغ وزنها 25 طنا مثلا، فان رسوم الميكانيك السنوية ستبلغ اكثر من ثمن الشاحنة بكثير، فماذا نفعل في هذه الحال؟

والمثال الثاني في هذا الصدد، ان لدينا محضر مخالفة بمبلغ 300 دولار اميركي، في حين ان ليس لدينا طوابع بقيمة 300 دولار بعد، فماذا يفعل المخالف؟ وكيف يدفع قيمة المحضر؟

وطبع طوابع يحتاج الى دفتر شروط وآليات كثيرة تستغرق على الاقل ستة اشهر من العمل المتواصل. ويمكن القياس على ذلك في مئات النقاط المستحيلة التنفيذ”.

 من هنا يرى شربل “اننا امام معضلة حقيقية، فلا نحن كحكومة قادرون على تطبيقه، ولا على تجميده ايضا، لذا سأعيد طرحه في اول جلسة لمجلس الوزراء، والحل الوحيد هو ان يجتمع مجلس النواب في أسرع وقت ممكن ويعدل المواد المستحيلة التطبيق ليسلك القانون طريقه نحو التطبيق”.

قباني

النائب محمد قباني، رأى ان قرار الحكومة تأخير تطبيق قانون السير هو “قرار غير دستوري اطلاقا، اذ ليس في مقدور اي سلطة او جهة ان توقف تؤخر تطبيق قانون صادر عن مجلس النواب، فكيف بقانون السير الذي شرعت الحكومة في تنفيذه وتم تطبيق عدد كبير من بنوده؟”

وحول النقاط المشكو منها او التي يستحيل تطبيقها قال قباني: “كان يمكن السلطة التنفيذية ان تلجأ الى المادة 419، التي تنص على انه يجوز للحكومة أوالوزراء المعنيين ان يتخذوا ترتيبات معينة في اطار تعليق العمل ببعض البنود وما شابه ذلك”.

وكشف قباني لـ”النهار” ان المتضررين من القانون اثاروا ضجيجا في كل الاتجاهات، وهم كثر، ومن قطاعات عدة كالسماسرة ومستوردي السيارات المحطمة الذين يعيدون تجميعها في لبنان، وكثير من المتضررين من هذا القانون الثوري الذي كلفنا 8 سنوات من الجهود المضنية والمتواصلة، لكن نقابات السائقين على اختلافها كانت اقوى من غيرها في هذا المضمار، وتمكنت من تجميده.

وأضاف قباني: “اجتمعت بنقابات السائقين في المجلس النيابي الاسبوع الماضي بناء على طلب من الرئيس بري، ودونت ملاحظاتهم على القانون، وتسلمت مذكراتهم وبعد قراءتها سأعيد دعوتهم الى اجتماع خلال هذا الاسبوع لنصل الى حلول، في ما يتعلق بالنقاط المحقة من ملاحظاتهم. لكنني اقول لمجلس الوزراء افرجوا عن قانون السير الجديد ولكم ان تؤخروا العمل ببعض النقاط المشكو منها عن حق، وهي قليلة ولا تتجاوز اصابع اليد الواحدة استنادا الى المادة 419 منه. لكن تأخير العمل بالقانون ككل وبشكل عام هو مخالفة دستورية واضحة”.

مصدر معني بتطبيق القانون ممن امضى مئات الليالي في صوغه، لم يشأ الكشف عن اسمه قال لـ”النهار” في هذا السياق “ان القانون كلف سنوات من العمل المتواصل على مستوى الحلقات التشريعية في مجلس النواب، وقد افدنا من كل الخبرات في كل دول العالم وفي كل القطاعات الاخرى المعنية بقوانين السير حتى خرجنا بقانون السير الجديد الذي يرمي في جوهره الى خفض اعداد القتلى والجرحى الذين يسقطون يوميا على طرق لبنان نتيجة الغوغائية في تطبيقات السير القائمة اليوم”. ورأى “ان ضغوط نقابة النقل البري المبنية على مصالح شخصية اسفرت عن توقيف العمل به، علماً ان القوى المعنية بتنفيذه قطعت شوطا في تطبيقه، وهذا ما يربكها حقاً، اذ كيف تتم العودة بهذا الشكل الدراماتيكي الى القانون السابق وإلغاء كل ما تم تطبيقه حتى الآن وفق القانون الجديد بعدما كان السائقون قطعوا اشواطا في عملية ترتيب اوضاعهم وفق  نصوص القانون الجديد، وبدأوا بتطبيقه واعتادوا تنفيذه، ليأتي القرار بتجميد العمل فيه كالصدمة والصاعقة على رؤوس الجميع بمن فيهم المعنيون بالتطبيق؟”.

أضاف: “انهم يريدون العودة الى القانون القديم ، وخفض الغرامة، والصحيح ان الغرامة لا يتكبدها إلا المخالفون، ويجب أن تكون موجعة فعلا لكي لا يكرر المخالف مخالفته، فهي غرامة على المخالفين وليست ضريبة على كل الناس.

ويختم المصدر قوله بأن استقرار التشريع في اي بلد ضروري جدا، “لأنه يؤدي الى استقرار المجتمع، والمزاجية في تطبيق التشريعات تؤدي في نهاية المطاف الى كوارث على المستويات الاقتصادية والاجتماعية، والى عدم احترام القوانين لدى المواطنين، اضافة الى انه يخيف المستثمرين ويؤدي الى هروبهم”.

المصدر:
النهار

خبر عاجل