كتبت فاطمة حوحو في “المستقبل”:
لبنان على فوهة البركان، هكذا يريده النظام السوري في محاولة لإنقاذ نفسه من الثورة، عبر الالتفاف عليها والرد على المجتمع العربي والدولي عبر الإيحاء بأن وصايته على لبنان لم تنته بعد وأنه لا يزال ممسكاً بأوراق مختلفة، وهذا الاعتقاد يزيده يقيناً ما تمارسه حكومة “النأي بالنفس”، التي ثبت تورط رئيسها في تمويل مجموعات مسلحة هدفها إبقاء حال التوتر قائمة لصالح هذا النظام، ولإسقاط هيبة الدولة أمام إرهاب سلاح “حزب الله”.
ويوماً بعد يوم يختنق اللبنانيون بدخان نار الفتن المتنقلة ما بين طرابلس وبيروت وصيدا، حتى الآن تمت السيطرة عليها، إلا أن السؤال لا يزال قائماً، هل تفلت الأمور وتخرج الأحداث عن الإطار المرسوم لها حتى الآن لإبقاء حالة الاستنفار بين أفراد الشعب، في وقت يتنعم فيه البعض بغنائم السلطة من دون يسأل عن حال الشارع أو يرتدع عن زرع الفتن؟.
حادثتا الخندق الغميق والشياح اللتان كادتا أن توديا ليل أول من أمس بلبنان الى فتنة سنية شيعية لا تبقي ولا تذر، اتهم فيهما “حشاشون” أي “راجح” حسب مسرحية الرحابنة، فيما المسؤول عنهما ليس مجهولاً الى هذا الحد، إنه السلاح الذي يرتدي عباءة “المقاومة” أو يختبئ وراء شعارات مضللة، وهو الذي يقاوم الدولة ووجودها ويضعف جيشها لأنه يأتمر بقوى خارجية ويرتبط بمشاريعها ويدافع عن مصالحها.
بيضون
يعبر النائب والوزير السابق محمد عبد الحميد بيضون عن إدانته “للحادث الذي وقع في خندق الغميق والاعتداء على رجال دين من فئة معينة والذي لا يمكن أن يحدث، إلا إذا كان أحد ما يقصد ذلك، فمثل هذا الحادث لا يأتي عفو الخاطر”.
ويقول: “حزب الله” وحلفاؤه أي “التيار الوطني الحر” والرئيس نبيه بري يقومون بجملة تخويف للناس من التيارات السلفية والواضح في حادثة الأمس أن من يهدد البلد ليس التيارات السلفية، بل من يهددها فعلياً هو تلك المجموعات المرتبطة بفريق الثامن من آذار الذي يستخدمها لتغييب البلد، والمقصود من كل العملية فرض الإرهاب على العاصمة بعد طرابلس وصيدا، ففي هذه المدن الثلاث ونظراً الى طابعها المديني وليس طابعها الطائفي، إذ إن المدن ترفض الوصايات، اليوم 8 آذار وحتى يضع النظام السوري يده على البلد، يريد إرهاب هذه المدن، لذلك نرى عمليات الانتشار العسكري الذي نشهده في أحياء هذه المدن سواء تحت عنوان “سرايا المقاومة” أو غيرها، وهذا مرتبط بأن النظام السوري قد أخذ قراراً بالضغط من خلال لبنان على الدول العربية والمجتمع الدولي، لأن هذا النظام فقد كل أوراقه ولديه اليوم فقط ورقة واحدة هي وصايته على لبنان، هو يجرب أن يرد على القرار الدولي بدعم تسليح المعارضة عبر التهديد بتفجير لبنان، وهذه التهديدات تراها في طرابلس وفي بيروت وفي صيدا عبر تكليف مجموعات السيطرة عسكرياً على المدينة، هذا المناخ يؤكد أن النظام السوري ليس لديه أي ورقة ليلعبها بوجه المجتمعين الدولي والعربي إلا ورقة لبنان وهذا التهديد أدوات تنفيذه هو فريق 8 آذار”.
وعن اتهام “حشاشين” بافتعال الحادثة، يعود بيضون ويؤكد أنه “ليس عفوياً”، بالأمس كان احتفال 14 آذار ونحن كنا نلاحظ أنه طوال الفترة الماضية، كلما كان هناك احتفال لـ14 آذار، يكون هناك استنفار لمجموعات تترصّد حركة العائدين من الاحتفال وتحاول أن تؤدبهم، في كل عام كان يحصل مثل هذه الأحداث عبر مجموعات محضّرة للقيام بمثل هذه المهام التأديبية وهذه عمليات ترهيب أفرقاء واضحة وهي غير عفوية، وما حصل في الوقت نفسه في منطقتين معروفتين يشير الى أن ما حصل مخطط له ومدروس قبل حصوله. وجوهر العملية هو ترهيب المدن الثلاث وترهيب أفرقاء 14 آذار لمنعهم من التحرك وشلهم عن أي نشاط سياسي”.
وعن رأيه بمعالجة الحكومة لما حدث، يقول بيضون: “الحكومة هي حكومة الفتنة ووجودها هو الفتنة بحد ذاتها، الحكومة جاءت بانقلاب على النظام الديموقراطي، والأغرب أن رئيس الحكومة نجيب ميقاتي يقول إن طائفته مستهدفة، فإذا كانت كذلك، فما الذي فعلته لإيقاف هذا الاستهداف؟”.
وعن دعوة ميقاتي الى الحوار، يجيب: “دعوته الى الحوار شكلية، إذ كان من الأجدى له العمل لتنفيذ مقررات الحوار السابقة، لو كان لديه مصداقية، ولكن بدلاً من ذلك ما رأيناه في هذه المرحلة جرى تفريخ عصابات مسلّحة، صيدا لم يكن فيها ميليشيات، اليوم صيدا مليئة بمجموعات مسلّحة، وفي طرابلس زادت الأمور عن حدها الطبيعي، كانت المدينة تشهد جولات عنف، لكنها اليوم كثيرة ولم يتجرأ رئيس الحكومة نجيب ميقاتي على الطلب من الجيش اللبناني سحب مدفعية الهاون الموجودة في جبل محسن، على الرغم من أن هذه المدفعية تقصف أحياء طرابلس، ونحن لا نقول له أزل السلاح الخفيف إنما هذه المدفعية. هذه الحكومة متواطئة، ولا مجال لمشروع إنقاذي في ظلها، إلا إذا أراد الرئيس ميقاتي أن يقوم بخدمة لهذا البلد، فيضع استقالته على الطاولة أو يأخذ قراراً جريئاً وذلك بالطلب الى الجيش اللبناني تجريد كل الميليشيات من سلاحها ونزع السلاح من أيديها لأنها عصابات يجب ملاحقتها وملاحقة من أسّسها، لكننا مع الأسف نرى أن هناك غض نظر من الحكومة والقضاء والأجهزة الأمنية على الوضع الشاذ الذي نعيشه”.
وتوقع “تزايد مثل هذه الحوادث إذا لم تتخذ قرارات حاسمة والأرجح أنها عاجزة عن ذلك، وهذا يخدم النظام السوري الذي يريد تفجير لبنان ونحن ذاهبون الى وضع صعب”.
وعن الحل، يرى بيضون أن “على كل فريق أخذ مسؤولياته، ومراهنتي على رئيس الجمهورية ولدينا طريق للحل عبر مجلس النواب، ويكون عبر عقد جلسة لمجلس النواب يقر فيها إعلان بعبدا كجزء من مقدمة الدستور وهذا يعني أن مختلف الأطراف، بمن فيهم “حزب الله” و”أمل”، تخلوا عن دعمهم بالسلاح للنظام السوري وثانياً لا يعود لبنان على علاقة بالأزمة السورية ويدخل حياد لبنان حيّز التنفيذ ومن بعد ذلك إذا صوّت فريق الثامن من آذار على إعلان بعبدا كجزء من مقدمة الدستور سيلتزمون بمفاعيله القانونية وهذا يعني أن على 14 آذار العودة الى طاولة الحوار وبت موضوع تنفيذ المقررات السابقة وكيفية نقل أمرة سلاح “حزب الله” الى الجيش اللبناني لا أن يبقى بأمرة النظام السوري أو “الحرس الثوري الإيراني”.
السيد
ويرى الكاتب والمفكر رضوان السيد ان الحادث الذي وقع في الخندق الغميق والشياح هو حادث عرضي، ولا يجوز تكبيره، انما ينبغي ان نفهم أصوله ودلالاته، في هذا الاستنفار المنتشر منذ دخول السلاح الى بيروت عام 2008 ومن ثم تدخل “حزب الله” في الأزمة في سوريا عبر سلاحه منذ حوالى العام”.
وشدد على ان “التوتر الذي حصل في العام 2008 وازداد وتطور من خلال استيلاء حزب الله على الحكومة ثم في دخوله للقتال في سوريا، أدى إلى استنفارات بين العامة من الطرفين. وفي الايام الأخيرة، تواردت القصص والوقائع عن سقوط عشرات القتلى من الحزب في سوريا ونقلهم الى لبنان. ومن هنا أظن ان التوتر في البيئة الشيعية الحاصل حالياً، يتجلى في إظهار الغيظ والانزعاج من تطورات أحداث سوريا ولذلك على الطرفين، أي السنة والشيعة في لبنان أن يكونوا عقلاء، فلا مشكلة سياسية أو عقائدية سنية – شيعية، هناك توتر ناجم عن أفعال “حزب الله” في بيروت وعما نجم عن تدخله في الأزمة السورية”.
وحول إلقاء التهمة على “حشاشين”ـ أقرب الى حركة “أمل” من “حزب الله”، يجد أن لا فرق بين “أمل” والحزب في البيئة الشعبية الشيعية. “حزب الله” فقط أكثر تنظيماً من “أمل” العواطف العامة لدى الطرفين سواء كانوا من عامة السنة أم من عامة الشيعة مستثارة وكل يسيء الظن بالآخر، ولذلك فإن المطلوب من العقلاء من السياسيين ورجال الدين الاهتمام بهذه الأجواء وعلى السني القول للشيعي ان ليس كل السنة يتحدثون كما يتحدث الشيخ أحمد الأسير، وعلى الشيعي القول ان هؤلاء ليسوا أعداءكم وهذا الأمر يحصل، لكنه لا يحصل بطريقة كافية ولا يصل للعامة. فعندما يطل شيخ دين ويتحدث بطريقة متوترة على شاشة التلفزيون يؤثر في العامة ويزيد من حالة استنفار المستنفرين أصلاً وهذا لا يجوز”.
وعن علاقة النظام السوري بمثل هذه الحوادث، يشدد السيد على أن هذا النظام “لا يتدخل بشكل مباشر، بل هو يستغل الأجواء المهيأة اصلاً لأحداث من هذا النوع من قبل بعض “الهوام” السنة أو الشيعة. لكن في طرابلس مثلاً هو يصنع الأحداث وفرض لها آلية الآن بطريقة أنه لم يعد يحتاج الى التدخل في كل مرة فيها، لأن الجو صار مهيأً وإن لم تتوافر الشجاعة والاستقامة لدى الزعماء السياسيين والدينيين فقد تحدث فتنة حقيقية”.
وعن انتشار شِلل ومجموعات مسلحة في الأحياء يقول: “على المواطن المنزعج من أحداث معينة ألا يعبر بطريقة فوضوية، وستوجه التهم الى “حشاشين” ومتعاطي مخدرات وهذه الظواهر هي تعبير عن حالة غير صحية”.
وعن الحل في ظل عدم وجود قرار سياسي بلجم الفتنة يشدد السيد على أن “ضبط الأمر يعود الى الدولة، وهي اليوم مقصرة تقصيراً كبيراً في ذلك، ولا بد من ذهاب هذه الحكومة السيئة التي يبدو ان دورها الاشراف على انفلات الأمن وليس على ضبط الأمن. وهناك مسألة عاجلة تتعلق بالعقلاء وذوي الاحساس بالمسؤولية من علماء الدين من الطرفين ومن السياسيين الحزبيين وغير الحزبيين ووسائل الاعلام كافة. وهي ان واجباتهم عدم السماح للمتطرفين من الطرفين الظهور على وسائل الاعلام ليزيدوا من اثارة الناس”.
ولا يتخوف السيد من “فتنة سنية – شيعية الا اذا كان الطرف الإيراني يريد الفتنة للدفاع عن مناطق نفوذه والحفاظ على مصالحه والا لا سبب دينياً أو سياسياً لإثارة الفتنة. في النظام السياسي التقاسم واضح بين السنة والشيعة هذا من الناحية السلطوية، ومن الناحية الدينية نحن نعيش مع بعضنا البعض منذ قرون وقرون وكلنا مسلم للآخر بمذهبه، عندنا مشكلة استيلاء “حزب الله” على الحكومة وهذه مسألة عارضة ويمكن ازالتها والخروج منها. إيران اليوم تصارع في العراق وسوريا ولبنان للاحتفاظ بمناطق النفوذ التي كسبتها في السنوات العشر الأخيرة، وهي مستعدة لأي شيء للحروب والفتن المذهبية والسياسية ولم تعد شعارات الدفاع عن المقاومة في دمشق أو لبنان أو لا اعرف عن ماذا في العراق مقبولة، اذ صارت سخيفة وغير مقبولة ولا تقنع احداً، ولكن عندما تجدين أحداً يهجم عليك بحجة ان فلاناً عميل لإسرائيل وهم يدافعون عن نظام بشار يمكن أن يثير هذا العامة ويحدث مشكلة وإلا لا أسباب حقيقية للفتنة السنية الشيعية”.
ويرفض السيد مقولة انه بعد حلق اللحى هناك قطع للأعناق، مؤكداً أن لا “حزب الله” ولا حركة “أمل” يريدان التعرض للمشايخ السنة، ولا مشايخ سنة يريدون حقيقة التعرض للشيعة، هناك جو إثارة وهجمة إيرانية تثير المخاوف والهواجس ويكون لها تداعيات في الشارع وعلى العقلاء تلافي الأمر قدر الإمكان”.