#adsense

الأسد الكيماوي

حجم الخط
 

لم يخيّب الظنّ به. ولا يبدو أنه سيفعل حتى اللحظة الأخيرة.
تدشين بشار الأسد مرحلة السلاح الكيماوي كان جزءاً من توقعات مسبقة بأنه لن يتوانى عن استخدام أي شيء في معركة الحياة والموت التي يخوضها.. وكان الظنّ في مكانه.

توقّع خطواته يشبه القراءة في كتاب مفتوح. وكثيرون من اللحظة الأولى لقصّة درعا وأطفالها، كانوا على قناعة ماسيّة بأن أداء حاكم سوريا، مفهوم سلفاً ومعروف أصلاً وفصلاً. وانه لا يستوعب شيئاً غير السلطة المطلقة. ومثله مثل أسلافه واشباهه وخصوصاً في ليبيا والعراق، لا يتصوّر نفسه في اي مكان آخر. والحكي معه، آنذاك وراهناً، عن أي إجراء حسابي أو تصليحي حتى لو كان شكلياً وعارضاً عابراً، لا يمكن أن يوصل الى أي نتيجة.

السلطة المطلقة تولّد من يعتقدون أنفسهم أكبر بقليل من أنصاف الآلهة! وهؤلاء يحتقرون الخطأ لأنهم لا يعترفون بوجوده أصلاً وليس لأنهم قدّيسون.. في أيديهم قياس الخط الفاصل بينه وبين الصح. وبين الفضيلة والرذيلة. والحق والجور. والحياة والموت.. مصائر البشر عندهم غواية وهواية وهذه تردفهم بما يكفي لوضعهم دون مستوى البشر فيما ظنهم أنهم يؤاخون الآلهة.

قصف حلب بالكيماوي إفراز طبيعي ومنطقي لتلك الحالات. وتتمّة لمنهج تدمير كل أسباب وأصول وفصول الحياة والعيش في كل منطقة ومدينة وبلدة وقرية سورية تجرأت على الأسد وهتفت لحياتها وحرّيتها. وتصرفّه المألوف هذا ترجمة ميدانية فصحى وصاخبة لكل تركيبته الذهنية التي لا تعرف شيئاً غير الفتك التام بمن يتجرأ على “الكفر” والمطالبة بإطاحته.

وصل بالتدريج الى سلاح الدمار الشامل. قبل الآن اعتمد التدمير المقسّط والموضعي. بدأ بالسكاكين والرصاص والمجازر الصغيرة. ثم انتقل الى المدفعية الخفيفة وبعدها المدفعية الثقيلة والدبابات. ثم وصل الى الطائرات وبعدها الى الصواريخ البالستية قبل أن يصل الآن الى نقطة العدم. لكن ذلك تماماً، هو ما يدل أكثر من أي شيء آخر، على أنه فَقَدَ الأمل بأي سلاح إنقاذي. وأن أي شيء بعد اليوم لن يحول بينه وبين السقوط الأخير.

في خطوته هذه جرأة الانتحاري. لن تغيّر في مصيره الأخير شيئاً، ولن تجعل الموت السوري أقل أو أكثر وطأة مما هو عليه، لكنها ستضيف الى لوحة النكبة العربية المتمادية “مأثرة” لم يسبق لها مثيل في تاريخ البشر: وحدهم قادة عرب في العراق وسوريا، استخدموا السلاح التدميري الافنائي وضد مواطنيهم، للمرة الاولى منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل