#adsense

الإسلاميّون ليسوا «المرابطون»

حجم الخط
ليس المقصود الانتقاص من تنظيم “المرابطون” في مرحلة الحرب الأهلية، ولا تقييم سلوكه وسياساته، إنّما التأكيد على مسألتين: الفارق بين تنظيم سياسيّ تعسكر إبّان الحرب، وبين حالة دينية-سياسية تتعسكر اليوم تدريجاً. والاختلاف بين طبيعة المرحلتين: مرحلة الأنظمة الاستبدادية القامعة للاتجاهات الأصولية، ومرحلة الثورات العربية التي شرّعت الأبواب أمام كلّ التيارات الإسلامية تحت عنوان الديموقراطية.

وتسليط الضوء على هذه الفوارق ضروريّ للقول إنّ القدرة على ضبط أيّ تنظيم وتحجيمه تختلف عن القدرة على ضبط حالة دينية شعبية، فضلاً عن اختلاف المرحلتين، فما كان يصحّ مع “المرابطون” في الزمن السوري، لا يصحّ على الإسلاميين في زمن “حزب الله” والثورات العربية. وحالة التدجين التي مارسها النظام السوري على كلّ الطوائف اللبنانية ومن ضمنها السنّية، واستنسخها عنه “حزب الله” بعد العام 2005 اختلفت مع المرحلة التي تداخلت فيها الساحتان السورية واللبنانية.

وهناك فارق لا يمكن التقليل من شأنه هو أنّ ضبط دولة خارجية لجماعة طائفية يختلف عن ضبط مجموعة طائفية لمجموعة أخرى، كون التفلّت من هذا الضبط يقود إلى الحرب الأهلية، فضلاً عن أنّ وصول الاحتقان إلى ذروته يقود حكماً إلى تعطيل أيّ إمكانية لضبط تفاعلاته، والدليل الأبرز “تفكّك أوصال الدولة اللبنانية” في العام 1975 نتيجة عجز هذه الدولة عن القيام بمهامّها العسكرية والأمنية والقضائية في ظلّ عسكرة الجماعتين المسيحية والإسلامية، وبالتالي السؤال المطروح اليوم: هل يعيد التاريخ نفسه، ولكن هذه المرّة مع الجماعتين الشيعية والسنّية؟

التوازن الذي كان قائماً بين المسيحيين والمسلمين عشية الحرب أدّى مع نشوبها إلى تعطيل الدولة بخلاف الوضع الذي نشأ مع انتهاء هذه الحرب، حيث استخدمت سوريا الدولة للاقتصاص من كلّ طرف لا يوالي سياساتها وتحديداً الطرف المسيحي. وهذا الاختلال في التوازن لمصلحة السوري مكّنه من إرساء استقرار ولو كان هشّاً وعلى حساب السيادة والاستقلال.

وبعد خروج الجيش السوري نشأت معادلة بين 8 و14 آذار أفسحت في المجال أمام قيام توازن بين سلطة الأمر الواقع وسلطة الدولة، وهذه المعادلة مكّنت “حزب الله” من الاحتفاظ بسلاحه وحركته وتعطيل وإسقاط كلّ ما يمكن أن يهدّد مشروعه، ومكّنت 14 آذار من الاحتفاظ بعنوان الشرعية على رغم عجز هذه الشرعية عن ممارسة دورها.

ولكن ما لم يتنبَّه إليه “حزب الله” أنّ كسر هذا التوازن لا يصبّ في مصلحته، وذلك لسببين:

التوازن بين 8 و14 يختلف عن التوازن الذي كان قائماً بين المسيحيين والمسلمين، والاختلاف الأبرز يكمن في رفض الفريق الثاني التسلّح واكتفائه بالتمسك في الستاتيكو القائم مقابل تعويله على التطوّرات الخارجية الكفيلة وحدها حلّ الأزمة اللبنانية من دون الانزلاق نحو حرب لا رابح فيها، وبالتالي كان من مصلحة “حزب الله” الحفاظ على هذا التوازن الذي يتيح له تنفيذ أجندته دون المجازفة بخسارة كلّ وضعيته أو انحسار نفوذه داخل بيئته.

المرحلة التي تلت انتفاضة الاستقلال والثورات العربية، وتحديداً السورية، اختلفت جذريّاً عن المرحلة التي امتدّت منذ العام 1990 لغاية 2005، الأمر الذي يعني استحالة إعادة استنساخ “حزب الله” حقبة الهيمنة السورية، وبالتالي محاولته إحياء زمن الوصاية عبر إمساكه المطلق بالقرار سيؤدّي تلقائيّاً إلى تعميق الانقسامات المذهبية ومضاعفة التناقضات القائمة وصولاً إلى انفجارها.

وعلى رغم التعطيل المبرمج الذي قاده “حزب الله” منذ العام 2005 وما تبعه من 7 أيار، غير أنّ البلد لم ينزلق إلى حرب أهلية شبيهة بواقع السبعينات والثمانينات، فيما إسقاطه الحكومة الحريرية واندفاعه نحو إحكام السيطرة على الدولة ومؤسّساتها أسقط ما تبقّى من خطوط حمراء ورفع من منسوب الاحتقان المذهبي ووضع لبنان على كفّ التفجير.

فما يحصل داخل الواقع السنّي منذ إسقاط الضمانة الحريرية فتح الباب أمام صعود الحركات الإسلامية على اختلافها في مشهدية أعادت إلى الأذهان الحقبة التي سبقت الحرب الأهلية، حيث الدولة عاجزة عن تطبيق سلطتها وقوانينها على هذه الحركات التي ترفض التجاوب والامتثال تمسُّكاً بمساواتها بـ”حزب الله” الذي يسرح ويمرح دون حسيب ورقيب، وذلك على قاعدة “أنّ ما ينطبق على الحزب ينسحب علينا”. ومن هنا وضع “حزب الله” نفسه أمام استحالتين: استحالة استخدام الدولة لضرب هذه الحركات، على غرار استخدام النظام السوري الدولة لضرب القوى المسيحية، مع الاختلاف في التشبيه بين الفئتين، واستحالة أن يتولّى الحزب بنفسه القضاء على هذه الحركات تجنّباً للفتنة السنّية-الشيعية، خصوصاً أنّ زمن 7 أيّار ولّى، كما أنّ قدرته على اختراق هذه الحركات أمنيّاً لتعطيل مفعولها سيتلاشى مع الوقت ليصبح تدريجاً في مواجهة معها وجهاً لوجه.

كلّ هذه الوقائع تدلّ إلى أنّ “حزب الله” بدأ يفقد زمام المبادرة والسيطرة على أرض الواقع بشكل مباشر وغير مباشر، ما يعني أنّ المواجهة بينه وبين الحركات الإسلامية باتت حتمية، والمسألة مسألة وقت لا أكثر، وتجنّب هذا المسار التفجيري يتطلّب خطوات وطنية سريعة لا يبدو أنّ الحزب مهيّأ لاتّخاذها، وفي طليعتها الانسحاب من المعركة السورية وتشكيل حكومة بغطاء سعوديّ تُمكّن رئيسَها من السيطرة على الشارع السنّي الغاضب واتّخاذ خطوات تبدأ بضبط الحدود اللبنانية-السورية ولا تنتهي برفع الغطاء عن كلّ من تسوّل له نفسه الإخلال بالأمن.

قد تكون هذه الخطوات كفيلة بقطع رأس الفتنة التي باتت على قاب قوسين من الاندلاع في لبنان، ولكن هل “حزب الله” الذي عمل حتى على إسقاط الـ”سين-سين” وإخراج الرياض والحريري من المعادلة اللبنانية يملك الحكمة والجرأة لإعادة النظر بسياسته؟

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل