#adsense

فتنة… “بلا هيبة “!

حجم الخط

قد نفاجأ غدا بما لا يخطر ببال اذا قيل لنا ان نشوة “تحشيش” صرفة كادت تشعل الفتنة التي “طال انتظارها”. اما كل ما رافقها واعقبها من طوفان الاحتقانات المذهبية فلا يعدو كونه سوى “حرية تعبير” متفلتة وشديدة النزق.

يغرق لبنان حتى اذنيه في الفتنة السافرة ولا يزال طيبو النيات يتحدثون عن قطع رأس الافعى. اي قطع هذا والرأس والذنب يلتفان على البلاد من العريضة الى الناقورة وما بينهما، وما ينقص في الداخل لاشعال الحريق يتولاه النظام السوري جهارا نهارا على الحدود؟ وليس اسوأ من الخنوع الرسمي في الرد على الانتهاكات السافرة للحدود لولا موقف يتيم للرئيس ميشال سليمان سوى ذلك التسخيف لعقول الناس بأن الفتنة كانت لتكون صنيعة حشاشين.

ومن قال ان اجهزة الاستخبارات عموما او خلايا العتم تختار خريجي الجامعات لاشعال الفتن؟ ومن افضل من متخرجي الجرائم والتحشيش و”مدارس” المراس الطويل في كار استباحة القوانين والدولة للاجهاز على بقايا متهالكة من هذا المسمى تكاذبا سلما اهليا؟

ثم ان الذين لا يزالون يوهمون النفس بان الفتنة لن تقع، يسهى عن بالهم ان فائض الفائض في لبنان المذهبي هو الفتنة الماثلة بعينها في اي لحظة. يكاد لبنان اليوم يختصر برجال الدين وحدهم. هؤلاء تحولوا قادة الشارع ولم تعد المنابر تتسع “للمجتمع المدني” في حضور سطوتهم الصاعدة، حتى ان الدولة الهزيلة التي بالكاد بقي لها حضور بدت بالامس، بين الخندق الغميق والشياح، اشبه بفلول مدنية ضائعة ومسحوقة بين شارع شيعي معبأ وشارع سني محتقن.

الذين من بيننا عايشوا فتنة 1975 لا يأخذهم الرعب وحده حيال استعادة ما جرى عشية الحرب آنذاك، بل يأخذهم ايضا شعور آخر شديد “الاسى” حيال انحدار مستوى الفتنة نفسها. هي فتنة هابطة الآن لأن نارها توقد على غرائز مذهبية اكثر من اي عامل آخر. في فتنة 1975 كان ثمة ما هو “أرفع”، ولو استحال الحريق لاحقا حربا طائفية. وتلك الدولة على علاتها كانت لا تزال فيها بقايا “هيبة” اكبر بكثير من انعدام القامات والفقر المدقع الضارب في لبنان المذهبي الآن.

لعل المفجع فعلا ان يأخذ التسيب والهبوط ببعضنا الى هذا المنقلب في المقارنة بين فتنتين، لكأنه يقدر للبنانيين ان يتجرعوا كل عقدين او ثلاثة حربا اهلية جديدة، وان يقيسوا معايير تطورهم بظروف الاحتراب ووسائل الهمجية والغرائزية. وها هو فائض المذهبية الآن يضعهم امام فتنة خلعت اقنعتها بالكامل وصارت في قلب الدار ولا يعوزها حتى “الزر الخارجي” ما دامت جرعة تحشيش كفيلة باشعالها!

المصدر:
النهار

خبر عاجل