#adsense

“اللاحسم” وضعية موقتة في سوريا.. وكذلك “اللاحرب” مع إيران

حجم الخط

لم تدخل سوريا عامها الثوريّ الثالث فحسب، بل دخلت أيضاً في ذكرى مرور عام كامل على الحسم الأسدي المزعوم، الذي تناطح أقزام الممانعة في أيّام حصار بابا عمرو على تصوير اقترابه، كما لو أنّ جيش الوحدة والحرية والاشتراكية وحلف الأقليات كان في صدد الإجهاز على المتراس الأخير للتمرّد المسلّح.

يكفي التأمّل في مصداقية انتظارات الحسم الأسدي التي أفصحت عن نفسها بشكل نافر وسافر قبل عام، لتبيان حجم مصداقية الأقزام أنفسهم الذين باتوا يروّجون اليوم لمعادلة انّه لم يعد بمستطاع أحد أن يحسم في سوريا، وأن ثمة توازن رعب بين الثورة والنظام، وأن الأمور يمكن أن تبقى هكذا إلى ما لا نهاية.

وتضاف إلى ذلك كذبة التقارب في الموقف بين واشنطن وموسكو حيال سوريا، وهذا تلفيق قد يحاكي للأسف النزعات الشعبوية التي من الطبيعي أن تكون جد حاضرة في أي حراك ثوري، لكنه تلفيق لا ينبغي أخذه على محمل الجدية كثيراً، هذا بصرف النظر عن سوء السياسة التي يعتمدها باراك أوباما حيال المسألة السورية. لكن سوء هذه السياسة شيء، والحديث عن اقتراب أميركي من وجهة النظر الروسية شيء آخر تماماً. صحيح أن الولايات المتحدة تبرز قلقاً متزايداً من المتطرفين في الصراع المسلّح بسوريا، إلا أنّها وأياً تكن مقاربتها لا تخطئ الاعتبار الأساسي: الطابع الإجرامي المتطرّف الذي بلغه النظام السوري هو المشكلة الأساسية. ثم إن الموقف الأميركي من سوريا، لا ينفصل عن المشكلة الاستراتيجية الأساسية في الشرق الأوسط اليوم، وحسابات واشنطن بصددها، وهي مشكلة البرنامج النووي الإيراني، وأفق الحرب الاقليمية – الدولية الشاملة التي وان كان يصعب القول بحتميتها، بل لا يمكن الفصل بأرجحيتها، إلا أنها ستبقى أفقاً حاضراً في كل الحسابات الدولية حيال المنطقة، فمن بمستطاعه أن يضمن استطراداً بأن قرننا هذا سيمرّ على خير، تاركاً سجل الحروب الفتاكة الكبرى للقرن الذي مضى ليس إلا؟

وأساساً هذا التورّط الإيراني، “الحزب اللهي”، في الداخل السوري، يرتبط بهذا التداخل في الحسابات بين المجالين، فالحرب الأهلية السورية ينظر إليها من الجانب الإيراني إذا كانت تعجّل أو تؤجّل أو تتجاوز احتمال التصادم على خلفية البرنامج النووي الإيراني.

ما تروّجه الممانعة أن يومنا مثل غدنا، وأنه إذا لم يسقط بشّار الأسد اليوم فلن يسقط غداً، كما لو أن هناك سحراً معيّناً يجعل من كل طاغية لم يسقط بالضربات الشعبية الأولى طاغية ممتنعاً عن السقوط إلى ما لا نهاية. وما تروّجه الممانعة أيضاً أن إيران ستمضي الى تخصيب اليورانيوم لأهداف سلمية، ثم تنتقل الى تخصيبه عسكرياً، من دون أن يحرّك أحد ساكناً، كما لو أنّ خوف الغرب من “جبهة النصرة” ومثيلاتها سيجعله يوقّع على بياض لقيام أمبراطورية إيرانية مهدوية نووية تصل قزوين بالمتوسط.

لم يسقط بشّار الأسد حتى كتابة هذه السطور، وبالفعل خابت توقعات كثيرة بسقوطه في أيام السنتين الماضيتين، ولكن هذا هو حال الكفاح من أجل التحرّر من الطغيان. إنما مجرد تتبع أين كان هذا الطاغية قبل عامين وأين صار قبل عام وفي أي وضعية هو اليوم إنما يسند التفاؤل الثوري بالأيام المقبلة، وأكثر من ذلك ليس صحيحاً بأنه إذا سقط بشار الأسد بعد سنتين أو أكثر من “صموده” فإنه سيجعل الثورة مصابة بالعياء الشديد وغير قادرة حتى على رفع شارة النصر. بالعكس تماماً، بعد أن استحضر الاستبداد الشرقي أو الآسيوي كل عدّته لدعم بشار الأسد “ضد الإمبريالية والسلفية”، صار سقوط بشار الأسد حدثاً تأسيسياً منتظراً يتجاوز بكثير الدائرة التي كان يمكنه أن يفعل فيها لو حصل قبل الحين.

كذلك فإن الأزمة مع إيران إن لم تطور بعد في اتجاه تصادمي فلا يعني ذلك انها ستبقى أزمة تعقلن نفسها بنفسها، فمثل هذا المنطق لا يمكنه أن يفقه لا دور العنف في التاريخ، ولا الظاهرة الحيوية في تاريخ البشرية التي اسمها الحروب.

فكما أن “اللاحسم” وضعية موقتة في سوريا، كذلك “اللاحرب” هو وضعية غير ثابتة في حال إيران.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل