رغم التعنت الروسي والإيراني في دعم النظام الأسدي، ضجّ المشهد السوري أخيراً بتطورات حاسمة تؤذن بحسم الأمور لمصلحة الثورة. فإلى جانب تقدم المقاتلين على الأرض نجحت المعارضة بتشكيل حكومة مؤقتة بتزامن مع استخدام الأسد آخر اوراق قوته: تصدير الفتنة الى دول الجوار واللجوء الى سلاح كيماوي، بما يشرّع أبواب سوريا أمام تدخل أو على الأقل حماية خارجية حتى لا يتهدد الأمن والسلم الدوليان.
فقيام هذه الحكومة كان شرطاً لشغل مقعد سوريا في الجامعة العربية، ويفتح الباب للمشاركة في القمة العربية التي ستعقد بعد أسبوع في الدوحة. كما سيؤدي الى اعتراف أممي بها، معه الدعم المعلن لأكثر من مئة دولة منضوية في “مؤتمر أصدقاء سوريا” بـ”الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة” بما سيشكل تمهيداً لاحتلال ممثليها سفارات هذه الدول.
وانتخب رئيس الحكومة بعد أشهر طويلة من تجاذب المعارضة بين داخل وخارج وبين إخوان مسلمين وليبراليين وترأسها مواطن كردي كما سبق لمسيحي كردي آخر أن ترأس “المجلس الوطني السوري” أو شغل نيابة رئاسة الائتلاف توضيحاً لما ستكون عليه صورة سوريا المستقبل باعتبارها دولة تعددية ديموقراطية. وقد تمّ بعد ترك الجامعة العربية حرية التسليح لأعضائها وإعلان باريس ولندن عزمهما على ذلك وعدم معارضة واشنطن التي تتجنب الانغماس في مغامرة خارجية جديدة بعد أفغانستان والعراق.
ولذا كتب أول رئيس لـ”المجلس الوطني السوري” برهان غليون “الآن وقد تمت الانتخابات وانتهى النقاش أدعو جميع أعضاء الائتلاف الى دعم الرئيس الجديد ومساعدته على تحقيق مهمته الصعبة، كما أدعو السوريين للالتفاف حوله وتأكيد الثقة به لعبور هذه المرحلة الصعبة”.
كما أعلن “الجيش السوري الحر” انضواءه تحت لوائها فيما تبقى “جبهة النصرة” ومجموعات جهادية أخرى خارج هذا الجسم العسكري بما يطمئن الغرب الى أن السلاح الفعّال لن يقع بين أيديها.
ويشكل قيام الحكومة، التي لن تقتصر مهمتها على إدارة المناطق المحررة بل ستكون البديل بعد سقوط النظام، عصب بداية السنة الثالثة من عمر الثورة. فيما شكل كسر حاجز الخوف عصب سنتها الأولى وفقدان النظام مرتكزاته الاقتصادية والديبلوماسية عصب السنة الثانية وبات محصوراً ببقايا سلطة أمنية عسكرية. كما أسقط قيام الحكومة فرضية تشكيل حكومة مؤقتة بمشاركة ممثلين عن النظام والشائعات عن تلزيم الولايات المتحدة روسيا، وعبرها إيران، التوصل الى حل سياسي. فهذه الحكومة حددت سقفاً للمعارضة بلسان رئيسها الذي أكد فور انتخابه أن “لا حوار مع النظام”.
فبعد الإعلان الغربي والعربي عن مدّ المعارضة بأسلحة نوعية ولعلم النظام الأسدي بالمخاطر التي ستلحق به بسبب الحكومة المؤقتة فقد سارع الى استخدام آخر أوراقه: السلاح الكيماوي وزعزعة استقرار دول الجوار.
فالغازات السامّة التي يشكل استخدامها تهديداً للأمن والسلم الدوليين باتت مطروحة على الطاولة بغض النظر عن مستخدمها. فالنظام ادعى أن استخدام المعارضة لها هو أول مفاعيل تشكيل الحكومة رغم أنه لم يعلن يوماً سيطرة الثوار على أماكن تخزينها، واتّهم تركيا وقطر بتسريب ما لا تمتلكانه.
لكن احتمال لجوء النظام الى السلاح غير التقليدي كان مطروحاً منذ تموز الماضي.
حينها وتحت وطأة خسارته أبرز قادته الأمنيين في عملية تفجير في دمشق أقرّ رسمياً بامتلاكها عبر تأكيده بلسان الناطق باسم وزارة الخارجية أنها لن تُستعمل ضد الشعب وإنما في حال عدوان خارجي، ما استدعى فيضاً من التحذيرات الغربية شملت حتى موسكو. وفي نهاية العام الماضي تنامت المخاوف مجدداً من استخدام النظام لها وتوالت التحذيرات فردّ النظام في رسالة سلمها مندوبه الى مجلس الأمن الدولي تحذر من وصولها الى يد “الإرهابيين” بعد فقدان السيطرة على معظم الأرياف.
لم يكتفِ النظام الأسدي بذلك بل جددّ مساعيه لزعزعة استقرار المنطقة التي هددّ منذ البداية بإشعالها عند الحاجة، وهو ما ذكّر به حليفه العراقي نوري المالكي بإعلانه أن سقوط الأسد سيؤدي الى حرب أهلية في العراق ولبنان.
وإشعال المنطقة لا يستهدف بالتأكيد إسرائيل إذ إن حدودها مع الجولان المحتل حافظت على هدوء تام منذ عقود، إنما لبنان، رغم فشله بذلك مرات عدة. فكانت رسالة وزارة الخارجية بالتهديد بتدخل عسكري ثم، وللمرة الأولى، خرق للأجواء اللبنانية بغارة على جرود عرسال أثارت استنكاراً غربياً وعربياً. وحفاظاً على ماء الوجه نفت دمشق رسمياً ما أكدته المعلومات العسكرية اللبنانية، ما استدعى ورود عبارة في صحيفة “الوطن” السورية أمس “لم يتأخر رئيس الجمهورية ميشال سليمان في اللحاق بركب واشنطن وباريس، حيث اعتبر في بيان أن القصف انتهاك مرفوض للسيادة اللبنانية”. ويحلم الأسد بإمكان ابتزاز العالم مجدداً بالورقة اللبنانية استناداً الى تاريخ بلاده في ذلك، خصوصاً أن أرض لبنان مهيأة خلافاً للأردن مثلاً حيث هناك إجماع على دعم الثورة ولا انقسام عمودياً، بين مؤيدين لها ومؤيدين للنظام.