أخطاء التشخيص في الأيام الصعبة غير مستحبّة ومكلفة وفيها تمويه يفيد الخبثاء ولا يضرّهم.
اللبنانيون ناموا ليل الأحد الاثنين الماضي على وقع كوابيس وهواجس فتنوية تهدّ الجبال جرّاء الاعتداء المخزي على المشايخ الأربعة، ثم استفاقوا على واقع مختلف وكأنّهم في بلد آخر. وهذا صحيح وصحّي ومرطّب لليباس. لكن الاصحّ معه هو أنّهم يعيشون ويرتعون في فتنة تامة خالصة ومكتملة الشروط، ولا تحتاج كي تستيقظ تماماً، سوى إلى “التوقيت” المناسب!
وغير صحيح أبداً، أنّ لبنان سبق ومرّ في مناخات أسوأ وألعن من تلك التي يمرّ فيها الآن، الحرب الأهلية شيء، والفتنة شيء آخر. الأولى مريرة والثانية أمرّ. والأولى يختلط فيها السياسي بالطائفي والمذهبي لكن الثانية مذهبية محض وإن كانت بداياتها ذات طبيعة سياسية. والأولى انقسامها عام وجغرافي لكن الثانية انقسامها خصوصي وتفصيلي وفوق الجغرافيا. والأولى تأكل ضحايا أبرياء على هامش ضحاياها المرتكبين والمنخرطين، لكن الثانية تضع الجميع في مرماها من دون أي تمييز ومنذ لحظاتها الأولى.
التمويه في التشخيص يناسب النصوص الورقية وليس النصوص الدموية، ويليق بالمناسبات الخطابية وليس بالمسالخ البشرية. ولبنان اليوم، ليس سوى مسلخ بشري مؤجل حتى إشعار آخر! يتسلى في أوقات فراغه بقصصه السياسية والمطلبية، لكنه يرتع، بكل معنى الكلمة، في بؤرة مريضة ولم يسبق لمرضها مثيل.
وأخطر من التمويه التوصيفي هو التمويه في تحديد المسؤوليات. ومداراة اللغة وتغنيجها كي لا تأخذ اصحابها إلى شطط غير مأنوس. وفي ذلك عودة إلى البدايات. وفي تلك البدايات انّ أهل الممانعة صالوا في الدنيا وكأنّها لهم وحدهم. قتلوا وبطروا وخوّفوا وغدروا وزوّروا وانقلبوا وركّبوا لمشروعهم المذهبي أجنحة سلطوية طرّزوها بلافتات برّاقة، لم تبهر في ساعة الجدّ، أحداً. ورغم ذلك لا تزال بصيرتهم تغور في عتمتها بعد أن احتوت هذه البصر وغلّفته بستار سميك!
سنتان تساويان دهراً.. وصلوا وأوصلوا لبنان خلالهما إلى زاوية مقفلة على الحياة ومفتوحة على الموت. وأرجعوا اللبنانيين كلهم، وبجدارة “إبداعية” عجيبة إلى الاقامة في مصحّات بُنيت قبل مئات السنين!
.. فات الأوان! وزمن المعجزات التسووية مضى، وأمعن في الغياب… يا الله!