طبعا نلت جائزة مميزة، وهي مبراة وممحاة وقرطاسية ملونة، والاهم اني حملت معي الذكرى مذذاك التاريخ. ابي قال لنا ان الارض والام والربيع هم واحد. يومها لم أفهم المعنى بالطبع، عندما تعرّفت الى جنون هذا البلد فهمت المعنى. لست اما لأشعر بالتمزّق حين يرحل ابنا لي الى اللاعودة، أو حين يغيبه الاعتقال وأتحوّل اسما مشلوحا تحت شمس الانتظار وشفقة من لا يرحم، أو حين يلبس بذة القتال ويطلب أن أصلي له ليعود سالما الي ويبقى الوطن، وأركن الى العذراء أرجوها ألا يعود في نعش وأفتديه بموتي. عندما تعرّفت الى جنون هذه الارض خفت على امي، الامهات، لانهن كلهن بمثابة امي، ولكني على مرّ النضوج عرفت ان كأسا ما ينتظرهن، ومهما تأخّر سيتجرّعن هذا الكأس، وهذا ما حصل، كل منهن تجرّعته بطريقة مختلفة، في الشهادة، في المعتقل، في الاختطاف، في القصف، في جنون الطرقات…في الحرب كما في السلم المزعوم، تجرعن كأسا بعنوان الخوف، انها وليمة هذه الارض لهن، الخوف الطبق الرئيس.
في منتصف آذار تولم الطبيعة على شرف الارض وتهديها الربيع، ويولم الزهر على شرف الام ويهديها العطر، تلازم مخيف لفرط ما هو جميل بالعادة، لكن في لبنان اُضيف اليه القلق. كلهن قلقات، كلهن مناضلات مقاومات لا يعرفن الراحة الا عندما تستكين البسمة على وجوهنا. متناقضة الى حدود اللاوعي هذه الارض. بقدر ما هي كريمة جميلة مغوية، بقدر ما هي غامضة مخيفة. مخيفة لانها أدمنت شهادتنا، هي ام وتحب ان تحضن ابناءها وغالبا تحضنهم وهم في عز الربيع، أرض تصارع لتحض الصبا وامهات تصارعن الارض ليبقى ابناؤها في حضن الحياة، منظومة صراع غريبة. هكذا تعيش امهات لبنان.
عندما كتبت ذاك السطر لم أعرف ما كنت سأكتشفه بعد سنين، ربما لو كنت اعرف كنت عدّلت قليلا وكتبت: “لان هذه ارضي احبك اكثر أمي وأخاف عليك وازرع عمرك عطر الامان”، لكن من أين لي كان أن أعرف أني سأبادلها شعور الخوف، وان هذه الارض ستغرقنا في الحنان وخشية الخسارة، خسارتها وخسارة الابناء؟!
في آخر سطر كان يجب ان يكون هو الاول، وبكلمات قليلة أيضا، لو عرفنا كم أنت تحبّين لجعلنا بلادنا جنّتك وليس جحيم خوف يذيبكِ…
