انشغل العالم هذا الاسبوع بمشكلتين اقتصاديتين لهما تأثير على مستقبل الاقتصاد العالمي، ومشكلة الاجور والفجور في لبنان لم تكن إحدى المشكلتين.
التحدي الاول تمثل في حاجة قبرص إلى اقتراض 17 مليار أورو لمعالجة عجز الخزينة من جهة ولتفادي افلاس المصارف من جهة اخرى، واعادة رسملة المصارف تستوجب تخصيص 10 مليارات أورو، أي ما يعادل تماماً مستوى رؤوس اموال المصارف اللبنانية مجتمعة.
المصارف في قبرص تحتوي من الودائع واموال الزبائن شركات وافراد ثمانية أضعاف الدخل القومي القبرصي، وهذه نسبة بالغة الارتفاع تشجع المصارف على منح القروض بشروط ميسرة، وفي الوقت ذاته ربما كان نصف الودائع لمواطني بلدان اخرى. فمعلوم ان الروس، افراداً وشركات، لديهم 30 في المئة من مجمل الودائع في قبرص. وبالنسبة الى التسليف، اقبلت المصارف القبرصية على تسليف الشركات والمؤسسات والافراد في اليونان ما يساوي نصف مجموع تسليفاتها، وقد تحول قسم كبير من هذه التسليفات الى خانة الديون الهالكة مع تعمق ازمة اليونان وكانت النذر واضحة بان الزوبعة ستصيب شواطئ قبرص.
منذ سنة كنت في قبرص لحضور زواج قريبة لنا وجالست وزير المال القبرصي سابقاً، وسألته عن الأوضاع الاقتصادية والمالية، فأجابني دون مواربة: الوضع الاقتصادي الى انكماش لان السياحة في تباطؤ منذ نشوب الازمة المالية العالمية والسياحة السند الرئيسي للاقتصاد القبرصي، اما الوضع المصرفي والمالي فهو أسوأ بكثير ولن نستطيع الاستمرار ما لم نحظ بدعم كبير من الاتحاد الاوروبي.
سلطات الاتحاد الاوروبي كانت تتوقع ان تحتاج قبرص الى الدعم والانقاذ، لكن تركيز السلطات الاوروبية كان في المقام الاول على حاجات ايرلندا، فالبرتغال، واسبانيا، ومن ثم اليونان فايطاليا.
منذ الصيف المنصرم، اعلن حاكم المصرف المركزي الاوروبي ماريو دراغي ان كل الخطوات ستتخذ لمنع انهيار الأورو كعملة موحدة لـ17 بلداً، ومعلوم ان مفهوم الأورو ولد في ماستريشت عام 1989 ولم يكن اي من البلدان الاشتراكية سابقاً قد تفرع عن الاتحاد السوفياتي وانضم الى المجموعة الاوروبية، وتاليا ساد تفكير بالقدرة على صهر السياسات المالية والنقدية ضمن معايير تحدد نسب التضخم والعجز في كل من بلدان الاتحاد الاوروبي.
قبرص، قبل انضمامها الى الاتحاد الاوروبي، كانت اقرت تشريعات تسهل انشاء الشركات القابضة، ومن تسهيلاتها سرعة التأسيس وشروط رقابة مالية مبسطة على الشركات، وفرض ضريبة على ارباح هذه الشركات بنسبة أربعة في المئة فقط. وقبرص كانت من الدول التي استقطبت عددا كبيرا من الشركات الروسية، وخصوصاً بعد تحرير الاقتصاد الروسي، اولاً بشكل منفلت وغوغائي ايام الرئيس بوريس يلتسين، ومن بعد بشكل اكثر انتظاماً منذ تولي فلاديمير بوتين قيادة البلاد عام 2000.
والروس، المتدينين علناً منذ انهزام الشيوعية، وجدوا ترحيبا في قبرص الأرثوذكسية. وكانت قبرص الدولة الأولى لا تفرض تأشيرة مسبقة لدخول اراضيها من الروس، وتاليا تزايد عدد الزوار الروس، وتوسعت مشترياتهم للمنازل والفيلات وبات ثاني اكبر مصرف في الجزيرة روسيا. وبلغ عدد الشركات الروسية المسجل مركزها في قبرص 2800 شركة، منها شركات عملاقة مثل “غازبروم” وهي من الشركات العالمية الكبرى في مجالات الغاز والنفط. وشركة TNK.BP ثانية كبرى شركات النفط في روسيا والتي يملكها مناصفة روس مع شركة النفط البريطانية، وشركات انتاج الكهرباء بالطاقة النووية، والالومينيوم، والمصارف الكبرى الخ.
وكان الاتحاد الاوروبي اقر قبل سنوات سياسات تهدف الى محاربة التهرب من الضرائب بين اعضائه، سواء اكان ذلك عبر اجراءات ضريبية محفزة، مثل ضريبة الأربعة في المئة على ارباح الشركات القابضة في قبرص، او عبر معدلات منخفضة للضريبة على دخل المقيمين في احد بلدان الاتحاد الاوروبي في مقابل بلدان اخرى.
وقبرص منذ انضمامها الى الاتحاد الاوروبي في ايار 2004، واعتمادها الأورو عام 2008، باتت تحت مجهر السلطات الاوروبية وكان لدى هذه السلطات شكاوى عليها من شروط تأسيس الشركات القابضة وعملها، وعمليات تبييض اموال، ومستويات الضريبة على الارباح.
وبالفعل اقرت قبرص، تفادياً لموضوع الضرائب، وكي لا تتسبب بهجرة او تهجير الشركات القابضة، رفع معدل الضريبة على الارباح الى معدل 10 في المئة وذلك للشركات القبرصية والشركات القابضة التي يمكلها اجانب، واتخذت اجراءات غير متشددة لمكافحة تبييض الاموال، ذلك ان نسبة ملحوظة من الودائع كانت قد توافرت نقداً في سنوات سابقة.
اما معالجة الاتحاد الاوروبي وصندوق النقد الدولي المشكلة القبرصية، فقد تمثلت في شروط لم تفرض سابقاً على أي من الدول المستفيدة من قروض وتسهيلات الاتحاد الاوروبي ومؤسساته وصندوق النقد الدولي. فالمبادرات السابقة استندت الى توفير المبالغ الضخمة في مقابل اعتماد الدول المعنية برامج تقشفية، وظهرت بشائر تحسن على صعيد المعايير المالية – أي العجز في الموازنة في المقام الاول في ايرلندا وايطاليا – لكن اجراءات التقشف رافقها توسع للبطالة على شكل مخيف في اسبانيا، واليونان، والبرتغال. وخلال الاشهر الاخيرة، برز توجه نحو اعتماد سياسات تنشيطية للاقتصاد والتخلي الى حد بعيد عن القيود المالية التقشفية، وهذا التوجه ظهر لدى انغيلا ميركل، الزعيمة السياسية الاكثر تشدداً في الدول الاوروبية، ومستشارة المانيا التي هي العمود الفقري للاقتصاد الاوروبي.
قبرص التي لا يزيد عدد سكانها وحجم دخلها عن 0,3 من واحد في المئة، لم تكن لتحظى بالانتباه الذي شهدناه، لولا تمركز المال الروسي في الجزيرة، واعتماد قبرص لانتشار النفوذ المالي والتقني الروسي في المنطقة.
والاوروبيون ارادوا اصابة الروس عبر شروط تقديم المعونة، وهذه الشروط لا تقتصر على تحصيل 5,8 مليارات أورو لمصلحة الاتحاد الاوروبي في مقابل توفير 17 مليار أورو من المعونة لقبرص، وهذا المبلغ يفترض تأمينه من ضريبة تبلغ 9,9 في المئة على اية ودائع تفوق الـ100 الف أورو و6,75 في المئة على المبالغ التي تقل عن ذلك، يضاف الى هذا الشرط رفع معدل الضرائب المباشرة على ارباح الشركات الى 12،5 بدل 10 في المئة.
وقد صدم القبارصة بالشروط المفروضة ورفض البرلمان القبرصي الاتفاق وظهر رد فعل شعبي مناهض للضرائب على الودائع – والودائع المصرفية حتى 100 الف أورو في الحساب مضمونة في الاتحاد الاوروبي، كما ظهر تباين في مواقف الهيئات المانحة. فمديرة صندوق النقد الدولي المساهم في تأمين المعونة المالية، اعتبرت ان صغار المودعين لا يجوز تكليفهم المعدل ذاته الذي يخضع له كبار المودعين، وهنالك ميل لدى وزير المال الألماني مثلاً، لاعتماد برامج تقشف في مقابل تأمين الدين، وهو يعتبر الضرائب المقترحة بمثابة مصادرة للاموال، ويرى ان هذا التوجه يناقض جميع السياسات الاقتصادية الاوروبية.
ما هي الحلول الممكنة؟
في تقديرنا ان هنالك ثلاثة حلول ممكنة.
أولا: انسحاب قبرص من الوحدة النقدية الاوروبية وهذا الانسحاب لا يعني خسارة الأورو دوره، علماً ان الأورو كعملة موحدة يحتاج الى مبادرات اصلاحية تأسيسية عميقة، وانسحاب قبرص قد يمهد لفترة ازدهار في قبرص واحراج للاتحاد الاوروبي.
ثانياً: تخفيف وطأة شروط تأمين القرض، وربما إلزام قبرص رفع معدل الضريبة على الدخل للشركات والافراد، المقيمين وغير المقيمين، الى 15 في المئة وتخصيص الواردات لابقاء الدين الاوروبي مدى عقود بدل اعتماد الضرائب على الودائع.
ثالثاً: وهو الحل الانسب في رأينا، وقد عبر عنه الرئيس الجديد لقبرص، اعادة توحيد شطري الجزيرة. فالمناطق التركية اوسع من المناطق اليونانية، وامكاناتها السياحية فريدة وأكثر تميزا منها في الجانب اليوناني، فان صارت الجزيرة موحدة، حتى لو كانت معدلات الضرائب على مستوى 18 في المئة على الدخل، يمكن ان تشهد الجزيرة تدفقاً استثمارياً لم تشهده في السابق، وتستطيع تجاوز الازمة الحالية خلال ثلاث سنوات على الاكثر.
الازمة ستراوح مكانها وستشتد على صعيد الجماهير القبرصية، لكن الحلول، ومنها الثلاثة المذكورة اعلاه، متوافرة، ويمكن دمج الخيار الاول بالخيار الثالث اذا كانت ثمة شجاعة سياسية لدى القبارصة والأوروبيين.