بعد احالة مجلس الوزراء سلسلة الرتب والرواتب الى مجلس النواب وعلامات الاستفهام الكبيرة التي تحيط بهذه الاحالة من جوانب عدة، استطلع موقع “القوات اللبنانية” رأيي وزير المال السابقة ريا الحسن والخبير الاقتصادي عدنان الحاج في انعكاسات السلسلة على الوضع الاقتصادي وكيفية تأمين مصادر تمويلها.
أشارت الوزيرة السابقة ريّا الحسن الى أنها لا تزال في صدد دراسة سلسلة الرتب والرواتب التي أحالتها الحكومة إلى مجلس النواب بعد جلسة ماراتونيّة مساء الخميس، لافتةً إلى “أنهم كي يتمكنوا من تأكيد انعكاساتها على الوضع الإقتصادي عليهم أن يدرسوا تفاصيل كل مصدر تمويل مقترح لهذه السلسلة والمراسيم التطبيقيّة المرتبطة به لأن آليّة التطبيق هي التي تحدد إن كان مصدر التمويل ياتي في مكانه ويتم تطبيقه بشكل جيّد”.
وأضافت: “جل ما نحن متخوفون منه اليوم هو أن يتم إقرار السلسلة في مجلس النواب بشكل مشابه للذي تم عام 1998، أي أن تمرّ في الهيئة العامة لمجلس النواب ويتم تجريدها من معظم مصادر التمويل والإصلاحات الإداريّة المقترحة لتبقى السلسلة ككلفة من دون أن يتم تغطيتها بالإصلاحات أو مصادر التمويل المستدامة”، مؤكدةً أن سابقة عام 1998 من الممكن جداً أن تتكرّر اليوم خصوصاً وأننا نقف على عتبة الإنتخابات النيابيّة.
الحسن، وفي اتصال هاتفي مع موقع “القوّات اللبنانيّة”، لم تشك أبداً في إمكان إعادة تكرار تجربة إقرار السلسلة عام 1998، مشيرةً إلى أن النواب وهم على أعتاب الإنتخابات النيابيّة لن يدعوا أحداً “يسمي” عليهم إقرار ضرائب على الشعب وإصلاحات من الممكن ألا يراها موظف الإدارة العامة بشكلها الصحيح. وأضافت: “إن هذا هو الخطر الأكبر اليوم خصوصاً أن مرسوم السلسلة سيمرّ على لجنة المال والموازنة وعلى لجنة الإدارة والعدل وهذا هو المسار الطبيعي القانوني للمرسوم قبل طرحه على الهيئة العامة، لذا هناك الكثير من الأماكن التي سيطرح عليها المرسوم ومن الممكن أن يتم استئصال الإصلاحات ومصادر التمويل الضريبيّة”.
واعتبرت الحسن “أننا إن أردنا أن نعدد الأخطاء التي أوصلتنا إلى هذا الوضع فالخطأ الأكبر الذي ارتكبته هذه الحكومة هو تقاعسها في إجراء الدراسات اللازمة عن إنعكاسات إقرار السلسلة التي كان من المفترض أن تعد منذ أيول الماضي أو حتى ما قبله، مشيرةً إلى أننا نشهد اليوم هذا التخبط في البلاد لأن الحكومة لا رؤية لها ولا أهداف فهي لم تنجز الدراسات وذهبت إلى إقرار السلسلة من منطلق شعبوي وها هي اليوم تقر هذه السلسلة تحت الضغط”.
وأضافت: “الرئيس نجيب ميقاتي كان يقول إنه لا يسير تحت الضغط إلا أن إقرار السلسلة أتى بشكل واضح بعد سلسلة من الإضرابات التي قامت بها هيئة التنسيق النقابيّة، لذا من الواضح أنه اقرّ السلسلة تحت الضغط ورماها على مجلس النواب”.
وتابعت الحسن: “إن الخطر الأكبر هو أنني لا أعلم من أين أتت الحكومة بالتقديرات المرتبطة بمصادر التمويل التي اقترحتها”، لافتةً إلى أنه سيقوم بإعداد دراسة مرتبطة بمصادر التمويل لأن هناك علامة استفهام كبيرة حول تقدير الحكومة أن هذه المصادر يمكن ان تؤمن 1800 مليار ليرة لبنانيّة. وأضافت: “العديد من مصادر التمويل المقترحة ليست مستدامة. هذا إن لم ننس الركود الإقتصادي الذي يجبرنا أن نشك في أن الإجراءات التي أقرّتها الحكومة يمكنها أن تؤمن المبالغ التي وضعتها الحكومة في دراستها”، مشيرةً إلى أن هذا الأمر تداول به العديد من الوزراء في الحكومة حسب ما قرأناه في الصحف.
ولفتت الحسن إلى أن كلفة السلسلة ستتعدى العام المقبل الـ2000 مليار ليرة لأن الموظفين المحالون إلى التقاعد في تزايد سنوياً، مشيرةً إلى أن وزير المال محمد الصفدي الذي من المفترض أن يكون المعني الأول بهذا الأمر ليس موافقاً على السلسلة وعلى مصادر تمويلها. وأضافت: “هذه صورة ممكن أن تعكس لنا التخبط داخل الحكومة بشأن موضوع السلسلة، إلا أنني أعتقد أن هذا الأمر مسرحيّة من أجل التخلص من السلسلة، بالرغم من وجود عدد من الوزراء غير المرتاحين للصيغة التي أحيلت السلسلة بها، ورميها على مجلس النواب”.
ورداً على سؤال عن مدى تأثير إقرار السلسلة على الدين العام، قالت الحسن: “هذا السؤال يعتمد على مدى صحة تقديرات مصادر التمويل التي اقترحتها الحكومة، إلا أنه إذا ما افترضنا أن تقديرات الحكومة في هذا الإطار صحيحة وسيتم تامين 1800 مليار ليرة فكلفة السلسلة مع زيادة غلاء المعيشة هي 2000 مليار ليرة. في المحصلة يمكن أن نؤكد أننا اليوم ننطلق بعد إقرار السلسلة بزيادة في العجز بقيمة 200 مليار سنوياً”، مشيرةً إلى أنه حسب تقديراتها فإن مصادر التمويل المقترحة لا يمكن أصلاً أن تؤمن 1800 مليار خصوصاً في ظل الركود الإقتصادي الذي نمر به. وأضافت: “هذا الأمر سينعكس زيادة على العجز وبالتالي زيادة على الدين العام هذا إن لم نحتسب الزيادة في الإنفاق لاننا اليوم نتطلع الى السلسلة كجزء لا يتجزأ من الموازنة العامة التي سيتم زيادة عدد كبير من النفقات الجديدة عليها في ظل تدني الإرادات”، لافتةً إلى “أننا سنقع في الحد الأدنى في عجز إضافي قيمته 200 مليار ليرة بالإضافة إلى العجز العام الذي قدّره الصفدي بين 5200 و5300 مليار ليرة”.
واستطردت الحسن: “بهذه العمليّة نحن نقوم بزيادة عجز الموازنة بقيمة 10%، وهذا قبل أن ننظر إلى تطوّر الأوضاع السياسيّة. أنا بتقديري إن استمر الوضع على ما هو عليه فكل الأرقام ستتفاقم مع الوقت”، مؤكدةً أنه في ظل هذا الوضع الأمني والإقتصادي كان يجب أن نرى كيف يمكننا ان نحد من خسارتنا ونقوم بترشيد الإنفاق من أجل تخفيض العجز وبالتالي الدين الذي نراه يرتفع اليوم”.
وأضافت: “هذه السنة الأولى التي نرى فيها الدين على الناتج المحلي يعود إلى الإرتفاع بوتيرة تصاعديّة”، مشددةً على أن كل هذا الأمر يوضح لنا سوء الإدارة والإنعدام بالمسؤوليّة من قبل الحكومة من أجل طرح موضوع دقيق كلسلسلة في هذا الوقت وبهذه الطريقة غير المدروسة التي لم تظهر نتائجها الفعليّة بعد لأن المحصلة لكل هذه العمليّة لن تتضح قبل أن نرى كيف سيتم إقرار هذه السلسلة في مجلس النواب.
ورداً على سؤال عما إذا كان هناك أمل في سقوط السلسلة في مجلس النواب، ختمت الحسن: “لا، فنحن رأينا أن معظم الأحزاب السياسيّة تؤيّد هذه السلسلة. من الممكن أن يتأخر طرحها بعض الوقت بحكم المسار القانوني إلا أنه إن طرحت امام الهيئة العامة فستمر”.
من جهته، أكّد الصحافي والخبير الإقتصادي عدنان الحاج انه لا يمكن القول ألا انعكاسات إقتصاديّة تضخميّة للسلسلة مهما كانت كلفتها، مشيراً إلى أن الحكومة تدرك جيداً كلفة هذه السلسلة الحقيقيّة وتبعاتها المستقبليّة إلا أنها أقرتها قبل أن تدرسها.
وأضاف: “عندما نضخ سيولة في السوق سواءً عبر زيادة غلاء المعيشة أو السلسلة فهذه السهولة ستحال إلى الإستهلاك خصوصاً أن الموظفين ليسوا مدخرين فهم لن يستثمروا أموالهم في الخارج بل سيقومون بشراء السلع ما يعني زيادة في الميزان التجاري الذي يصل إلى 16 مليار دولار في السنة وبالتالي سينعكس هذا الأمر على فاتورة الإستيراد وهذا ما سينعكس عجزاً على ميزان المدفوعات”.
الحاج، وفي اتصال مع موقع “القوّات اللبنانيّة”، لفت إلى أنه عندما يكون هناك عجز في ميزان المدفوعات فهذا يعني أن العملة الأجنبيّة ستخرج من لبنان في ظل تراجع حركة الرساميل الحاصلة في البلاد، هذا ما يجبر البنك المركزي على الدفاع عن الإستقرار النقدي بكلفة أعلى بدليل أن المصارف لا تلتزم بسندات الخزينة الصادرة بالليرة اللبنانيّة، مشيراً إلى أن عجز الموازنة سنوياً يتراوح بين 3 أو 4 مليارات دولار أميركي أي بما يعادل 5500 مليار ليرة لبنانيّة ونحن ملزمون بتمويل هذا العجر عدا العجز المتراكم. وأضاف: “من أين سنمول العجز؟ إن من التحويلات الآتية من الخارج أو من حركة الودائع التي تتراجع بالنسبة للسنوات الماضية”.
وتابع الحاج: “في ظل الأزمة العالميّة التي تحصل فهناك خوف من أن تنعدي الحكومة من التدابير الأوروبيّة التي يتم فرضها على قبرص مثلاً عبر فرض ضرائب على الودائع وليس على الفوائد”، مشدداً على أن إقرار السلسلة أمر خطير جداً في ظل أن ارتفاع كلفة الأجور في القطاع العام للمرّة الأولى عن الـ39% من الموازنة. وأضاف: “هذه المرّة الأولى أيضاً التي يرتفع فيها الحد الأدنى للأجور في القطاع العام عن الحد الأدنى في القطاع الخاص بحدود الـ170 ألف ليرة لبنانيّة. وهذا الأمر سيؤدي عملياً إلى مطالبة القطاع الخاص بزيادات في ظل واقع إنتاجيّة القطاع العام التي هي أدنى منه فيما يشكل الأخير 70% من حجم الإقتصاد”.
وأشار الحاج إلى وجود فئات مظلومة في القطاع العام وتستحق الزيادة إلا أنه في ظل غياب سياسات الأجور والتقدمات الإجتماعيّة (أي تعويضات نهاية الخدمة وتعويضات الصرف) في البلاد هناك جزء من الموظفين يتقاضى تعوض صرف عن سنوات الخدمة بالإضافة إلى معاش تقاعدي يوازي 85% من أساس راتبه، مشيراً إلى أنه عندما يتقاضى الأجير المتقاعد معاشاً تقاعدياً يوازي 85% من أساس راتبه فهذا يعني أنه يتقاضى راتبه بشكل كامل لأنه عندما كان هذا العامل في الوظيفة كان يدفع محسومات تقاعديّة بنسبة 6% من أساس الراتب بالإضافة إلى ضربة الدخل على الأجور إلا أنه عندما يتقاعد يصبح معفياً من هذه الضرائب.
وأضاف: “هذا يعني أن الخلل الأكبر لم يتعالج، فزيادة الدوام والإصلاحات الإداريّة كلام لا معنى له في هذه الفترة. لأنه لا أحد يجري إصلاحات في بلد لا يعطي المدير العام وزيره أي أهميّة كما أن هناك بعض الموظفين الذين لا ينفذون قرارات لا الوزير ولا المدير العام”.
وشدد الحاج على وجوب إعادة النظر في إنتاجيّة الموظف حسب قاعدة من ينتج يتقاضى، كما يجب إعادة النظر في دوام الموظفين حيث لا يجوز أن يعمل الأجير في القطاع الخاص حتى الساعة 5:00 مساءً في حين أنك لا تجد أي موظف في القطاع العام في مكتبه بعد الساعة 12:00 ظهراً، مشيراً إلى أنه يجب أن تتزامن عمليّة إقرار السلسلة بتفعيل الإنتاجيّة لأنه في ظل هذا الواقع والوضع الحكومي وأداء الدولة فمن غير الممكن أن تتم أي عمليّة إصلاحيّة. وأضاف: “لا بد كانظلاقة للعمليّة الإصلاحيّة إشراك القطاع الخاص في المشاريع الإستثماريّة في لبنان لا سيّما في موضوع الكهرباء والمياه والخدمات الـ”Photochimique” عبر تمويلهم هذه الخدمات أي تخفيض الدين العام مقابل توليهم عمليّة الإدارة لأنهم سيقومون بتوظيف الكفاءات بغض النظر عن الطوائف والمذاهب والمعركة الدائرة في البلد”.