طرابلس على فوهة بركان، جمر تحت الرماد، نسمة هواء تهب تحرك النيران فتشعل جبهة في هذا الشارع أو ذاك، أو تلهب ألسنة القيادات المحلية في جبل محسن تحت عنوان الدفاع عن الطائفة العلوية المفضوح، كونه دفاعاً عن نظام الأب الروحي للحزب “العربي الديموقراطي” وميليشياته، بشار الأسد، وفي المقابل من جهة باب التبانة، ميليشيات معروفة من الجميع وجهة دعمها، تسرح وتمرح تناجي روح الفتنة التي زرعها نظام الوصاية، لتبقى حالة التوتر قائمة، يزيدها حدة فلتان الشارع الطرابلسي في ظل غياب الحكومة عن ممارسة دورها المفترض كما يجب أن يكون، على يد مجموعات تبحث عن موطئ قدم لها في الحياة السياسية اللبنانية مستقبلاً عبر شعارات رنانة، في ظل نأي الحكومة كلامياً فيما الواقع يكذب الأمر ويترجم عن طريق “حزب الله” ومواقف “خارجية منصور” بأنه دعم كامل للأسد ونأي عن حماية الأهالي على الحدود السورية اللبنانية.
بالأمس كمل “النقل بالزعرور” كما يقول المثل، فانبرى رئيس المجلس الإسلامي العلوي الشيخ أسد عاصي محذراً بأن “الكيل طفح وأعذر من أنذر وسندافع عن أنفسنا شرعاً واعتقاداً”، بعد ساعات قليلة من إلقاء رئيس الحزب “العربي الديموقراطي” رفعت عيد المسؤولية في أحداث باب التبانة على رئيس الحكومة نجيب ميقاتي المفضوح تورطه في دعم المجموعات المسلحة هناك، وكذلك على الرئيس سعد الحريري في محاولة لخلط “الحابل بالنابل” لتمرير المخطط السوري الهادف الى تفجير الأوضاع في لبنان علّه ينجح في إبعاد بشار الأسد عن كأس السقوط المرّ والمحتّم.
وكان البارز أيضاً إطلاق النظام السوري حسان سرور، أحد المقاتلين في المجموعات التي كمنت لها قوات الأسد في تلكلخ والذي أشار الى أن الشيخ داعي الإسلام الشهال كان وراء إرسال هذه المجموعات الى سوريا للقتال ضد نظام الأسد، في محاولة للتغطية على انغماس “حزب الله” قتالياً في الدفاع عن نظام بشار.
في ظل هذه الصورة يتأزم حال طرابلس في الشارع، في غياب الحكومة المقصود عن معالجة الأمر والتدخل لوضع حد وقطع أيدي الأخطبوط السوري الذي يمتد تارة شمالاً وطوراً نحو البقاع، أو يتجاوز المسافات نحو صيدا ويحط أيضاً في بيروت للعبث بالأمن والاستقرار، فيما الحكومة تنأى بنفسها وتنام نوم أهل الكهف.
علوش
“المستقبل” استشرفت أوضاع طرابلس مع منسق “تيار المستقبل” في طرابلس النائب السابق مصطفى علوش الذي يشدد على أن “تهديدات عاصي وعيد جاءت بسبب غياب السلطة وغياب القرار السياسي الذي يمكن أن يترجم بقرار أمني، لحل ما يجري في طرابلس”. ويقول: “ما نشهده ناتج عن إصرار النظام السوري على إشعال المنطقة وتعميم الفوضى وليس فقط بسبب تهديدات عيد ومن بعدها عاصي، هناك من الجهة المقابلة أيضاً، من يريد أن يوصل الأمور الى حافة الانفجار وأنا أؤكد أن هناك طابوراً خامساً يعمل لإشعال المنطقة، مع أن القرار السياسي لقيادات المدينة ومعظم قيادات المحاور هو قرار عدم الانجرار الى إشعال المعارك، لأن هذه المعارك تأكد أنها عبثية ولا أعتقد أن أبناء بعل محسن يريدون التضحية بأبنائهم في سبيل بشار الأسد، لكنْ هناك إصرار دائم وواضح من قبل بعض المجموعات على دفع المنطقة الى مزيد من التوتر الذي لم يصل حتى الآن الى تفجير الوضع بشكل كامل أو الى معارك مفتوحة ولكن بالتأكيد هناك توتير دائم وبعض الاشتباكات وحوادث إطلاق نار التي قد توصل الى تفجير الوضع”.
ويرى أن محاولة إقحام “تيار المستقبل” عبر كيل الاتهامات له من قبل قوى النظام السوري بتفجير الوضع في طرابلس، مفضوحة، لأن من يوتر الأوضاع هي قوى تأتمر بإمرة هذا النظام وتقبض رواتب شهرية على ما تقوم به في باب التبانة، يدفعها الرئيس نجيب ميقاتي، فهذه المسألة صارت معروفة ويتم تداولها بين القوى الأمنية بشكل واضح وهناك تصريحات تؤكد هذا الموضوع”، ويعتبر أن اتهام “تيار المستقبل” والرئيس سعد الحريري مطلوب من قبل رفعت عيد وغيره ليكون له مبرر للهجوم على “تيار المستقبل” والقضاء على ما تبقى من التوازن السياسي والوطني والاعتدال”.
وعن دور “المستقبل” في إطفاء الفتنة، يجيب علوش: “يمكن مراجعة بيانات كتلة “المستقبل” والقيادات المحلية في هذا الإطار والتي تؤكد جميعها أن التيار يسعى الى تفادي الوصول الى حرب مفتوحة عبثية في طرابلس تؤدي الى مزيد من الضحايا والمآسي ولا تغير شيئاً في الوضع القائم، أما عدا ذلك فإن “تيار المستقبل” ليس في السلطة وغير قادر على تحريك الأجهزة الأمنية التي عليها التحرك لقطع دابر الاعتداءات من أي جهة أتت، سواء كان المعتدي علوياً أو سنياً، فلا فرق، لا بد من محاسبة الإثنين وأن تكون هناك محاكمات واضحة، لمن يلقى القبض عليه بتهم تفجير الوضع”.
وعن مغزى إطلاق سرور الآن وتوجيه التهم لقوى سلفية في طرابلس بأنها وراء إرسال مجموعات قتالية الى سوريا ومنها المجموعات التي ألقى النظام السوري القبض عليها أو قتل أفرادها واعتقل آخرين، يجيب: “لا شك في أن هناك تعدداً في المرجعيات التي يمكنها توتير الوضع في الجهة المقابلة لبعل محسن وهناك علامات استفهام تثار حول الأهداف ومن يموّل ومن يسلّح هذه المجموعات لذلك فالمؤكد أن هناك إما تواطؤاً أو غياباً لقرار السلطة السياسية التي توجّه القوى الأمنية في طرابلس”.
أما عن دور الجيش اللبناني، فيرى علوش أنه “يجب ألا يأخذ الجيش قراره من القوى السياسية المحلية في طرابلس، هناك حكومة ودولة ويجب أن يكون القرار هناك ونحن نعلم من خلال التجربة أن السبيل الوحيد لذلك هو قيام الجيش بوقف إمداد السلاح والذخيرة الى كل الأطراف ومن بعدها قضم الوضع تدريجاً من خلال القبض على مثيري الحوادث والمعروفون بشكل واضح، وأن تتم محاكمتهم وأن لا يتدخل أحد للسعي الى إطلاقهم تحت أي مسمى، ومن بعدها يتم السعي الى سحب السلاح بأكمله من كل مناطق التوتر، هذا هو السبيل الى الحل. وتقول أوساط أمنية إن الجيش قادر إذا كان هناك قرار سياسي على القيام بهذا الأمر، والقرار السياسي لا يتّخذ في طرابلس عبر قيادات محلية بل هو قرار الحكومة، فالحكومة هي المسؤولة، وأنا هنا إما أتهم الحكومة بأنها مقصّرة أو فاشلة أو متواطئة”.
ويجد إن “التراضي الأمني والسياسي والوهن الذي تعانيه الحكومة وفي الوقت نفسه العين المكسورة التي تعانيها الحكومة أيضاً نتيجة عجزها عن وقف حراك “حزب الله” في سوريا ودعمه للنظام السوري جعلت الكثيرين يرون أن الفرصة سانحة لكي يظهروا أنهم قيادات وأن لهم رأياً، وأن يحكموا في الشارع مع الأمل في أن يتمكنوا من التوصل الى أن يكونوا حكاماً في السياسة. المسؤولية تقع أساساً على الحكومة الفاشلة والتي عليها الرحيل”.