تعيش مناورة القانون الأرثوذكسي التي أطلقها «حزب الله» وحلفاؤه أيامها الأخيرة، في ظلّ انكشاف حادّ للتحالف الهش داخل قوى الثامن من آذار.
ومن يراقب حركة رئيس المجلس النيابي نبيه برّي جيّداً يدرك كم أصبح هذا الانكشاف جليّاً. فرئيس المجلس الذي ذهب الى روما حاملاً صيغة القانون المختلط، بدا كأنّه يُغرّد كلّياً خارج سرب “الأرثوذكسي”، لا بل بدا أنّه يسعى بكلّ ما يملك من قدرات إلى إبعاد كأس هذا القانون، حتى ولو كلّف الأمر الاصطدام مع العماد ميشال عون.
في الايام التي ستلي لقاءات روما، بات يمكن النظر الى المعادلة الداخلية التي تحكم قانون الانتخاب والانتخابات النيابية ككُل، انطلاقاً من الاعتبارات الآتية:
أوّلاً: بات واضحاً أنّ البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي الذي رعى في البدايات “القانون الأرثوذكسي” قد عدّل في موقفه جذريّاً لأسباب عدّة أهمّها رفض رئيس الجمهورية هذا القانون، لكنّ جديد ما رشح من الفاتيكان يدلّ على أنّ الدوائر الكنسية طلبت من البطريرك الماروني نفض اليد كلّياً من “الأرثوذكسي”، والعمل على الوصول الى قانون توافقي، يؤمّن ويضمن إجراء الانتخابات النيابية في موعدها، وهذا ما حصل من خلال اللقاءات التي تخلّلت تنصيب البابا الجديد، حيث قطع القانون المختلط شوطاً إضافيّاً من التوافق حوله، بعدما حظيَ بموافقة الراعي المبدئية، التي أغضبت أطرافاً مسيحيّين كالعماد ميشال عون الذي حاول قطع الطريق على القانون المختلط.
ثانياً: بدا أنّ حركة الرئيس برّي لا تحظى بغطاء من “حزب الله”، الذي فُهم من مواقفه الأخيرة أنّه يرفض صيغة القانون المختلط، حتى تلك التي وردت في قانون الرئيس برّي نفسه، أي صيغة المناصفة بين الأكثري والنسبي. وعلى هذا يُفهم من مبادرة روما أنّها باتت أقرب الى المناورة الثانية المضافة الى مناورة “الأرثوذكسي”، إذ إنّ “حزب الله” الذي لم يجاهر بموقف حول ما يجري، ترك العماد عون يعارضها من الرابية، وتكتّم على موقفه الرافض لها في انتظار أن يجتمع المسيحيّون في بكركي، وعندها يقوم العماد عون بتفجير المبادرة ورفضها، ليتبعه “حزب الله” في ذلك متحجّجاً بموقف حليفه المسيحي، والهدف ممّا يجري ليس بالطبع إقرار القانون بل الوصول الى تأجيل الانتخابات، بعد تعذّر مرور “الأرثوذكسي”.
ثالثاً: في موازاة هذا التضعضع في مواقف “حزب الله” وحلفائه، داخل وخارج التركيبة الحكومية، بدأت قوى “14 آذار” تستعيد جزءاً من تضامنها بعدما نجح القانون “الأرثوذكسي” في شقّ صفوفها. في هذا المجال تقدّم التوافق بين تيار “المستقبل” و”القوات اللبنانية” إلى مستوى عالٍ، خصوصاً في البحث في تفاصيل القانون المختلط، حيث تلتزم “القوات” و”الكتائب” بموقف “المستقبل” الرافض بعض التقسيمات والتوزيعات للمقاعد على الأساس الأكثري والنسبي. أمّا العلاقة مع النائب وليد جنبلاط فتبقى على حالها، لكنّ ذلك لن يمنع وجود جهوزية يديرها “المستقبل”، تقترب من الاتفاق على القانون المختلط، في حال أصرّ “حزب الله” على التصويت على “الأرثوذكسي”.
رابعاً: أصبح شبه مؤكّد أنّ المناخ الدولي العام أوصل رسائل الى كلّ الأطراف، يحضّ فيها على إجراء الانتخابات في موعدها، وذلك خشية الدخول في الفراغ الذي يفتح الباب على عدم الاستقرار، لأنّ اللاستقرار لن يفسّر بالمنظار الدولي إلّا خدمة للنظام السوري، الذي يريد تخريب الواقع الأمني في لبنان، وفي كلّ المنطقة.
بناءً على كلّ هذا التسارع، يتوقّع أن يصل النقاش حول القانون الانتخابي الى النقطة الفاصلة، حيث من المتوقع أن تكشف الأطراف التي طرحت “الأرثوذكسي” عن نيتها في تطيير الانتخابات، ولو كان ذلك من وراء ستار رفض القانون المختلط.