#adsense

1997- 2012 ارشادان رسوليان من اجل لبنان والشرق… دعم بابوي وتأكيد تفعيل دور المسيحيين في الشرق

حجم الخط

عرف لبنان، خلال خمسة عشر عاماً من تاريخه المعاصر ارشادين رسوليين وزيارتين بابويتين تاريخيتين، في دلالة واضحة على الاهمية البالغة التي يعلقها الكرسي الرسولي على هذا الوطن كنموذج للتعايش المسيحي – الاسلامي وكمختبر للحوار وتلاقي الحضارات.

الارشاد الرسولي الأول “رجاء من اجل لبنان” وقعه البابا الراحل يوحنا بولس الثاني خلال زيارته الى لبنان في ايار 1997، وهو كان ثمرة سينودس عقد خصيصاً من اجل لبنان قبل عامين من تاريخه.

اما الارشاد الرسولي الثاني والذي وقعه قداسة البابا الحالي بنديكتوس السادس عشر في ايلول الماضي تحت شعار “شركة شهادة”، فهو يتعلق بالمسيحيين في الشرق عموماً. وهو يبرز دور لبنان المهم بالنسبة لمسيحيي الشرق والذي يشكل المرتكز الذي يعوّلون عليه لاستمرارهم في ممارسة حرياتهم. وهذا ما حدا سابقاً بالبابا الراحل الى اعتبار لبنان “اكبر من بلد، انه رسالة”.

فلبنان بنظر البابوية هو وطن الرسالة السامية، التي تتجسد في عيش مجموعات من ديانات وطوائف متعددة في وئام ووفاق. وقد جاء في ارشاد العام 1997 (الصفحة 3 رقم 1): أن “التزام المسيحيّين أمرٌ هام للبنان، “الذي تتّسم جذوره التاريخية بالطابع الدينيّ. وبحكم هذه الجذور الدينية للهويّة اللبنانية الوطنيّة والسياسيّة”.

1-      اختلاف الظرف التاريخي والسياسي بين الزيارتين

على رغم الاختلافات الكثيرة في الظروف المواكبة للزيارتين البابويتين الى لبنان وبالتالي للارشادين الرسوليين، تبقى هناك عناصر متعددة مترابطة ومتشابهة في مضمون ومرامي هذين الارشادين بالرغم من المسافة الزمنية التي تفصل بينهما، ومن أبرزها دعوة المسيحيين الى الصمود في ارضهم والى لعب دورهم في محيطهم.

– زيارة البابا يوحنا بولس الثاني 1997: المطالبة بالسيادة في ظل احتلال مزدوج

ساهمت زيارة البابا يوحنا بولس الثاني الى لبنان في ايار 1997 في تسليط الضوء على الواقع اللبناني الفاقد للسيادة آنذاك وعلى الواقع المسيحي المهمّش على كافة الصعد الوطنية والسياسية.

ففي تلك الفترة، كان لبنان يرزح تحت الوصاية السورية وكان واقعاً تحت حكم الأجهزة الأمنية اللبنانية التابعة لسلطة الوصاية السورية. هذه المنظومة الامنية السورية اللبنانية تحكّمت بكل مفاصل الحياة السياسية اللبنانية لحقبة كبيرة من الزمن. وقد جاء في الإرشاد الرسولي في تلك الفترة (صفحة 90 رقم 121) أنه “يفترض أن يستعيد البلد استقلاله التام وسيادةً كاملةً وحرية لا لبس فيها”.

ومن روحية ما جاء في الارشاد الرسولي وترجمة لمعانيه، قام البطريرك الماروني السابق مار نصرالله بطرس صفير عام 2001 بزيارة الى الجبل صنفت بالتاريخية، وتوّجت بمصالحة وطنية مسيحية – درزية.

وكان أن أزعجت هذه المصالحة الوطنية التاريخية قوى الأمر الواقع ومن وراءها، فجاءت حوادث 7 آب 2001 حيث تم في هذا النهار الانقضاض من قبل الأجهزة الأمنية اللبنانية على الحركات المسيحية الناشطة آنذاك. وتمّ تبرير ذلك بذريعة تحضير تلك المجموعات لأعمال ارهابية من شأنها الاساءة الى الاستقرار العام في البلاد. وغنيّ عن القول إنّ هذه التهمة كانت جاهزة طوال عهد الوصاية السورية على لبنان للصقها بكل من يجرؤ على مواجهة الاحتلال السوري وادواته في الداخل اللبناني.

وكان قبل ذلك قد تحقق انسحاب قوات الاحتلال الإسرائيلية من لبنان العام 2000، ليعيد هذا الانسحاب بعض من السيادة المفقودة الى لبنان.

ثم كان انسحاب القوات السورية من كامل الاراضي اللبنانية في نيسان 2005 تنفيذاً للقرار 1559 الصادر عن الأمم المتحدة. ويبدو ان الدوائر الفاتيكانية لم تكن غائبة عن العمل على استصدار هذا القرار بحسب ما تردّد في حينه.

ومن الأمور المهمة التي يجدر الاشارة اليها أنّ إرشاد العام 1997 ذكر بالاسم شعارات الحرية والسيادة والاستقلال. واصبحت هذه الشعارات في ما بعد شعارات “14 آذار” بعد انتفاضة الاستقلال وانطلاق ثورة الارز عقب اغتيال رئيس وزراء لبنان الأسبق رفيق الحريري في شباط 2005.

 

– زيارة البابا بنديكتوس السادس عشر 2012: دعوة الى حفظ التوازنات في ظل حركات التحرر والثورات

تأتي زيارة البابا الحالي بنديكتوس السادس عشر الى لبنان في ظروف مختلفة بشكل كبير عن الزيارة البابوية الاولى. فلبنان تحرّر من الاحتلالين الاسرائيلي والسوري على ارضه، وسقطت سلطة الأجهزة الأمنية عن كاهل الناس، وعادت القيادات المسيحية الى لعب دورها على المستوى الوطني والسياسي والتاريخي، هذا الدور الذي سلب منها اباّن عهد الوصاية السورية على لبنان.

وما سبق لا يعني انّ المخاطر المحيطة بلبنان قد زالت خصوصاً مع استمرار “حزب الله” واصراره مدعوماً من النظامين الايراني والسوري المترنح على السيطرة على القرار اللبناني، متكلاً على ترسانة اسلحة يملكها خارج قرار الشرعية، ومع رفضه التخلي عن امتيازات الدويلة التي شكّلها على حساب الدولة اللبنانية ومؤسساتها.

كما أتت الزيارة البابوية الثانية في ظل متغيّرات تاريخية تشهدها الساحتان الاسلامية والعربية من سقوط انظمة وقيام ثورات، وصعود دور الاسلاميين ووصولهم الى السلطة بالطرق الديمقراطية في تجربة جديدة غير موثوقة النتائج (مصر، تونس…).

هذا ويشدد الارشاد الرسولي من اجل الشرق على حفظ التوازنات القائمة، لا سيما التوازنات الدينية والطائفية.

 

2-      الدور المحوري لمسيحيي لبنان:

انّ تخصيص لبنان، الوطن الصغير على الخارطة العالمية، بزيارتين بابويتين خلال خمسة عشر عاماً يؤكّد أهمية دور لبنان بما يشكّله من رسالة، ومن نموذج للتعايش بين الأديان. فلبنان يوشك أن يكون البقعة الوحيدة الباقية التي يعوّل عليها لدعم بقاء المسيحيين في هذا الشرق وإعطائهم الحافز والأمل في البقاء والتجذر.

 

تعويل الكنيسة الكاثوليكية على مسيحيي لبنان لإبقاء شعلة المسيحية في الشرق مضاءة

حذّر الكرسي الرسولي من الانقسامات المسيحية وخطرها على مستقبل لبنان، ودعا الى وحدة المسيحيين. وجاء في ارشاد العام 1997(صفحة 3 رقم 2) “الرجاء، بالنظر الى مستقبل لبنان انما هو مرتبط ايضا برجاء وحدة المسيحيين”.

كذلك جاء في الصفحة 10 رقم 12  “فغالباً ما باعد انقسام المسيحيّين بين أشخاص يعيشون كلّ يوم جنباً إلى جنب في المحبّة المتبادلة، وفي الإيمان الواحد بالمسيح وبالمعمودية”.

يتفق الارشادان الرسوليان بالرغم من المسافة الزمنية الفاصلة بينهما، على دعوة المسيحيين الى الحوار مع محيطهم والصمود في ارضهم والتصدي لنزف الهجرة المسيحية من لبنان ومن دول المشرق ذات الغالبية المسلمة عموماً.

كما يتفق الارشادان على دعوة الكنائس ورؤسائها الى الاضطلاع بدور يساهم في تحقيق هذه الاهداف. والأبرز في هذا المجال، وضع مقدرات الكنيسة في خدمة ابناء الرعايا للتمكن من الصمود ومواجهة الاستحقاقات الصعبة، ولا سيما على الصعيد المعيشي، ما يؤدي الى التخفيف من الوطأة التي تدفع الناس الى الهجرة الى خارج البلاد، او النزوح من القرى واخلائها باتجاه المدن، وبيع الأراضي.

المسيحيون مدعوون الى الحوار مع الآخر من دون التنازل عن المبادئ التي دافعوا واستشهدوا من اجلها. وجاء في ارشاد العام 1997: “فيُصبحوا بذلك شركاء، بشراكة كاملة، يعنون بمواصلة الحوار، بلا كلل، مع إخوةٍ لهم يرغبون في الوصول إلى تسويات تُمكنّهم من العيش معاً، ولكن بدون الانزلاق إلى تنازلات على صعيد المبادئ والقيم”.

كما جاء في الصفحة 73 رقم 95 من ارشاد العام 1997 “إن حياة الأُخوّة والتضامن، داخل المجتمع الوطني، تفترض ألاّ يتصوّر أحدٌ أن موقعه الخاصّ يحتمل أن يسوّع له البحث عن امتيازات له أو لطائفته، بإبعاد الآخرين”. وهذا يعني رفض ابعاد المسيحيين وتمييز طائفة على أخرى.

 

وشجّع الأرشاد المسيحيين على أخذ المبادرة وعدم الخوف حيث جاء في الصفحة 24 رقم 36 “لا تخافوا من أحد ولا تضطربوا”.

لذلك نرى انه على الكنيسة، وبالمشاركة مع العلمانيين فيها، الاستفادة من زخم زيارة البابا الأخيرة الى لبنان من أجل وضع آليات عملانية وواضحة لتنفيذ ما ورد في الارشاد الرسولي الأخير، وللمؤازرة في ترجمة مضمونه الى خطوات عملية قد تكون عبر:

– حض المسيحيين على الانخراط والمشاركة الفاعلة في مشروع الدولة والعمل على جعل حضورهم فاعلاً في مؤسسات الدولة واداراتها.

– دعم صمود المسيحي في ارضه وعدم السماح ببيع ألاراضي، ووضع خطط انمائية واقتصادية واجتماعية للحد من النزوح من القرى.

– العمل على الحد من الهجرة الى الخارج.

– العمل على وضع قانون للانتخابات يحفظ التوازنات ويصحح الخلل على صعيد التمثيل والمشاركة ويشكل ضمانة لمختلف مكوّنات المجتمع اللبناني.

 

 توقيع الارشاد الرسولي من أجل الشرق في لبنان: تقديم لبنان كوطن نموذج في التوازن بين مكوناته

انشغل لبنان باكمله رسمياً وشعبياً وبكل طوائفه لمدة ثلاثة ايام بالزيارة الاستثنائية للبابا بنيديكتوس السادس عشر. وقد كان المسلمون من اول المرحبين والمستقبلين الى جانب المسيحيين لرأس الكنيسة الكاثوليكية وذلك كتأكيد ثبات العلاقة التاريخية والتعايشية بين المسلمين والمسيحيين في لبنان وفي الشرق من قبلهم.

واكتسبت الزيارة اهميتها من الظروف السياسية الراهنة، ومن التحولات الناشئة عن الثورات العربية وما اصطلح على تسميته بالربيع العربي.

 

الربيع العربي ودور المسيحيين:

اعلن البابا بنيديكتوس في كلمته لدى وصوله الى مطار بيروت انّ زيارته الى لبنان هي وبطريقة رمزية “الى جميع بلدان الشرق الاوسط” كحج سلام وكصديق لله، وصديق لجميع سكان دول المنطقة، معتبراً ان “التوازن اللبناني الشهير سيكون نموذجاً لكل سكان المنطقة والعالم بأسره”.

ورأى البابا أنّ الربيع العربي هو أمر ايجابي، راغباً بالمزيد من الديمقراطية والحرية والتعاون وبهوية عربية متجدّدة. كما اشار إلى أنّ “صرخة الحرية الصادرة عن شباب متقدّم أكثر ثقافة ومهنية، ويرغب بالمشاركة في الحياة السياسية والاجتماعية هي وعد وأمر ايجابي جداً، وكانت موضع ترحيب تحديداً من قبلنا نحن المسيحيين”.

رئيس الجمهورية اللبنانية ميشال سليمان قال في هذا المجال: “إذا كان قداسته جاء الى منطقة الشرق الأوسط انطلاقاً من لبنان، فلكي يؤكّد، ليس فقط على أهمية لبنان كنموذج للعيش المشترك بين 18 طائفة تعيش فيه، بحسب رأيه، بل إظهاراً لدول المنطقة والعالم أهمية لبنان الديني والسياسي والاستراتيجي في الشرق”، و”تشديداً على “ضرورة بقائه كمنارة له على مختلف الأصعدة، الى جانب دعوة المسلمين قبل المسيحيين للحفاظ على الوجود المسيحي حيث هم، فدول عربية مفرّغة من المسيحيين تماماً لن تعيش بسلام”.

 

– دور المسيحيين الطليعي عبر التاريخ في النهضة العربية

لعب المسيحيون دوراً ريادياً في النهضة العربية وتمثل ذلك من خلال اعتناقهم مبادئ انسانية اساسية. وقد دعا الأرشاد الرسولي من اجل لبنان في العام 1997 (صفحة 13 رقم 17)  “إلى اعتراف حقيقيّ بالحريّات الجوهرية، تلك التي تصون الكرامة الإنسانية وتفسح في المجال لممارسة الإيمان؛ إنّهم يتوقون إلى احترام صادقٍ لحقوقهم وحقوق الآخرين؛ وكذلك إلى عدالةٍ تكرّس مساواة الجميع أمام القانون، وتتيح لكل مواطن أن ينال قسطه من المسؤولية في الحياة الاجتماعية”. انها قيم الحرية والحقوق والعدالة التي لطالما طالب بها ومارسها المسيحيون.

وهنا لا بد من التذكير بالدور الكبير الذي لعبه المفكرون المسيحيون والصحافيون المسيحيون في الصحافة العربية وكذلك الإرساليات والرهبانيات المسيحية في النهضة العربية خصوصاً في الحركات التقدمية.

وقد جاء ايضاً في ارشاد العام 1997 (صفحة 76 رقم 99) أنه “بامكان السلام في البلد أن يؤتي ثماراً في المنطقة كلها”.

كل ما سبق يدل على وجود إصرار فاتيكاني ومسيحي عالمي، على أنْ يكون لبنان وطناً حراً بالمعنى الكامل للكلمة، وان يستعيد دوره الريادي والطليعي في العالم المشرقي. وهذا يستوجب أنْ تكون السلطة المركزية فيه قوية وسيدة على أرضها بحيث لا تبقى أي منطقة خارجة عن سلطة الشرعية، وان يتمتّع كل فرد بحصانة القانون وحرية المعتقد.

 

– تغلّب المسيحيين على الشعور الأقلوي: دور المسيحيين ومسؤولية الدولة

يجهد المسيحيون في الشرق لتأكيد دورهم بعيداً عن تقلص عددهم الناتج عن عوامل عدة. وجاء في الارشاد الأخير (صفحة 16 رقم 25) “من واجب وحق الكاثوليك في الشرق الأوسط…أن يتمتعوا بمواطنة كاملة، لا أن يعاملوا كمواطنين من درجة ثانية”.

ويظهر الإرشاد الرسولي من اجل الشرق الذي وقعه قداسة البابا أخيراً في حريصا، انفتاحاً على حوار حقيقي بين الأديان، مبنياً على الإيمان بالإله الواحد الخالق، وانه يساهم بعمل مسكوني مفعم بالحب والعطاء.

كما يدعو الارشاد المسيجيين الى عدم الخوف لأنّ الرب معهم. فلقد قال قداسته خلال التوقيع أن الإرشاد في كل مكوناته يسعى إلى مساعدة كل واحد من تلامذة المسيح ليعيشوا على اكمل وجه (…) وأنّ كنائس الشرق الأوسط لا تخاف لأنّ الرب معها حتى النهاية: “لا تخافوا، لأن الكنيسة العالمية تسير إلى جانبكم وهي قريبة منكم انسانياً وروحياً”.

وختم: “اننا مدعوون هنا والآن للاحتفال بانتصار الحب على الكراهية، والتسامح على الانتقام، والخدمة على السيطرة والتواضع على الكبرياء، والوحدة على الانقسام”.

ويعتبر الارشاد الاول (1997) الدولة مسؤولة عن حرية الشخص والضامنة لحقوقه، حيث جاء في الصفحة 86 رقم 114 “ان الدولة، لما تتمتع به من صلاحيات ووظائف، هي الضامنة الأولى لحريات الشخص البشري وحقوقه”.

وجاء أيضا في  الصفحة 86 رقم 115: “يجب على السلطات الشرعيّة داخل الأمة أن تسهر على تمكين كل الجماعات والأفراد، من التمتع بالحقوق نفسها، والخضوع للواجبات عينها، وفقاً لمبادئ الإنصاف والمساواة والعدالة.” فلا امتيازات لفرقاء على آخرين.

ويعني ذلك أن الضمانة الحقيقية للاقليات في المجتمعات العربية والاسلامية تأتي عن طريق دولة عادلة وليس عن طريق تفاهمات جانبية خارج منطق الدولة. وهذا ينطبق ايضاً على مسيحيي الشرق، بمعنى ألا يكون نظام أو شخص هو حامي الأقليات، بل الدولة بمفهومها الديمقراطي المبني على احترام حقوق الإنسان والمساواة بين المواطنين.

وفي اشارة الى خطورة الحركات الدينية المتطرفة على واقع الاقليات وعلى العيش المشترك، جاء في ارشاد العام 1997 صفحة 12 رقم 14 “ويثير القلق العميق بروز أشكالٍ متنوّعة من التطرُّف، الذي لا يمكن إلاّ أن يسيءَ إلى وحدة البلد، ويوقف الاندفاع الجديد الذي يجب إيلاؤه إياها، ويعيق العيش المشترك بين كل الفئات التي تكوّن مجتمعه.”

كذلك جاء في ارشاد العام 2012 صفحة 20 رقم 30: “ان استخدام كلمات الوحي..أو اسم الله لتبرير مصالحنا أو سياساتنا، أو لتبرير لجوئنا الى العنف هو جريمة في غاية الخطورة”.

وهنا تظهر اهمية دور التيارات الاسلامية المعتدلة وضرورة تشجيعها ودعمها كتيار المستقبل مثلاً في مكافحة الأصولية وفي تغليب الاعتدال داخل الطائفة السنية مما يطمئن المسيحيين خصوصاً في ظل حملات التخويف من التيارات الاسلامية السلفية ومن الحركات الأصولية الأخرى.

في النهاية يمكن القول انّه في موازاة اعتبار البابا الراحل يوحنا بولس الثاني لبنان وطن الرسالة، فان البابا بنيديكتوس السادس عشر اعتبر لبنان وطن التوازنات التي يجب احترامها والعمل بمقتضاها.

كما يمكن استخلاص نقطتين محوريتين في نهاية هذا العرض:

1- وجود قرار مسيحي نهائي بالبقاء في هذا الشرق، حيث أنّ هدف الإرشادين الرسوليين هو الدعوة الى السلام والحوار الذي يقوم على الاحترام المتبادل بين جميع مكوّنات المجتمعات المشرقية، كما انهما يشكّلان خارطة طريق تهدف الى تدعيم ركائز الوجود المسيحي وتفاعله مع محيطه. هذه الخارطة يستوجب تنفيذًها تعاوناً بين كل السلطات الرسمية والدينية والفاعليات السياسية والوطنية.

ولا يكفي وجود ارشاد رسولي او زيارة يقوم بها البابا الى لبنان، على رغم اهميتها المعنوية، لمعالجة التحديات التي تواجه ثبات المسيحيين، بل يبقى الأساس في القيمين على الشأن المسيحي سياسياً ومدنياً وروحياً بالعمل معاً من اجل تحقيق المصلحة المسيحية العامة.

2- التشديد على تطور دور المسيحيين بالرغم من تراجع عددهم  بما أنّ من مسؤولية المسيحيين في لبنان والشرق السعي لحوار حقيقي بين الأديان يرتكز على ترسيخ ثقافة قبول الآخر والاحترام المتبادل، والعمل على صون العدالة الاجتماعية وارساء السلام والحريّة والمحافظة على القيم الأخلاقية وتنميتها لمصلحة جميع المواطينن.

كما لا بدّ من تكثيف التعاون بين المسيحيّين والمسلمين في كل المجالات الممكنة، بروح التجرّد، من أجل الصالح العام، وليس من أجل مصالح خاصة، أو من أجل مصلحة طائفةٍ ما، أو أملاً بالحصول على مزيد من النفوذ والسلطة في المجتمع.

وفي هذا الاطار، يجب العمل على مواجهة الهجرة التي ازدادت عند المسيحيين في لبنان وفي الشرق خصوصا خلال السنين الأخيرة الماضية. لهذا ينبغي حض المسيحيين على الرجاء، وعلى البقاء في وطنهم وأرضهم، وعلى عدم بيع أملاكهم، كما يتبغي المساعدة على تأمين مقومات هذا البقاء.

لقد جاء قداسة البابا حاملاً رسالة سلام تساهم في تعزيز وجود كل الاديان والمذاهب في المنطقة، فلا شيء يوقف العنف إلاّ النيّة الصادقة بإحلال السلام والعيش معاً في بلدٍ تنتمي اليه كلّ الطوائف تحت سقف الدولة.

والإرشاد الرسولي للشرق الأوسط يدعو المشرقيين إلى “العيش معاً” ويكشف مقاصد “الكنيسة الجامعة” في سلسلة من الأبعاد الروحية والإنسانية تسهم في تفعيل ثقافة الرسالات السماوية. وتطبيق هذا الارشاد يقود إلى ثبات المسيحيين في أوطانهم، من خلال إرساء الحريات العامة والعدل في دول الشرق الأوسط والأخذ بالقوانين الأخلاقية. ويفترض “الإرشاد” إنحياز جميع الأطراف إلى إرادة الخير العام والإنفتاح على حوار دائم يثري حياة الشعوب بالسلام ويرسي قواعد “عيش مشترك” ناجح على خلفية “التعاون بين أبناء الثقافات المختلفة”.

المصدر:
المركز اللبناني للمعلومات - LIC- لبنان – دائرة التحليل السياسي

خبر عاجل