لم تكن وظائف الحكومة المستقيلة تعمل في جسمٍ سليم منذ توليدها القيصري قبل سنتين .
عاشت على دعم مشغّليها الثلاثة : ” حزب الله ” ونظام الأسد وطهران .
وجانبت السقوط مراراً بثلاثة : ” حربقة ” رئيسها ، وزندقة عماديْها في الضاحيه والرابيه ، وبرغماتيّة مجتمع دولي يتفادى ” وجع الرأس ” بأيّ ثمن .
كانت هذه الحكومة المفروضه تموت سريريّاً منذ يومها الأوّل . وكانت تمطّ أيّامها وأسابيعها بتنفّس اصطناعي من المصدر الذي صنَعَها وصنّعها .
وحين بلغت شللها النهائي تحت مسمّى ” النأي بالنفس ” ، غرقت ي ملفّاتها وإخفاقاتها : : التردّي الأمني وراءها ، والإنتخابات المعطّلة أمامها ، ومأزق رؤساء الأمن فوقها ، والإعاقة الإقتصاديّة تحتها ، و ” التورّط بالنفس ” في حرب سوريّا طوّقها من كلّ الجهات .
لعلّها انتظرت حتّى اللحظة الأخيرة ليل أمس يداً من خلف الموج ” مُدّت لغريق ” ، فلم تأتِ !
وهذه اليد ليست سوى يد المجتمع الدولي الذي منحها مراراً الفرصة تلو الأخرى . لكنّ يأسه من دورها ، وإدراكه مدى وهن أوليائها ، كفّا يده ، فامتنع عن مدّها بآخر جرعة أوكسيجين .
لقد أتقن مشغّلو الحكومة خداع العالم سنتيْن ، مرّةً بشعار الإستقرار والسلم الأهلي ، وثانية بتلفيقة تمويل المحكمة الدوليّة للبنان ، وثالثة بخدعة ” النأي بالنفس ” عن الحرب السوريّة .
وحين انكشفت كلّ حِيَلها ، كان لا بدّ من انهيارها تحت عناوين تفصيليّة مهما كانت أهمّيتها ، مثل هيئة الرقابة على الإنتخابات والتمديد لرؤساء الأمن .
ومع استقالتها لم يبقَ في يد مشغّليها سوى حيلتهم الوحيدة الأخيرة ، وهي القوّة الصافية .
فبعدما تعرّى السلاح الآن من ورقة توت الحكومة ، بات مكشوفاً أمام مأزقه . ولا أحد يعلم مدى خطورة افلاته من كلّ الضوابط . وليس ما يجري في طرابلس والقصف السوري للمناطق اللبنانيّة سوى ظهور للجمر الذي طالما خبّأه ” حزب الله ” والنظام السوري تحت رماد حكومتهما .
والمنتظر أن يضاعفا ضغطهما الذي أعطيا إشارته بالحملة على رئيس الجمهوريّة ، وتوسيع نطاقها على كلّ من يعتبرانه خارجاً على وصايتهما من ميقاتي إلى جنبلاط وما بينهما .
وهذا ما يعكس مدى العزلة التي بدأ ” حزب الله ” وتابعوه يشعرون بها . ومن مؤشّراتها الأخيرة إقدام الحزب على منع السيّد علي فضل الله من السفر إلى قمّ ، وارتباكه من إقامة مقتدى الصدر في بيروت .
بينما حليفه عون يعاني عزلة مماثلة بعدما ذهب بعيداً في التزام مشروعيْن نقيضيْن للإنتخاب ، المشروع المذهبي والدائرة الواحدة .ّ ولقاء القيادات المارونيّة في بكركي لا يصبّ في الإتجاهين بعد تفاهمات روما .
في حقيقة الأزمة الآن أنّ المأزوم الفعلي هو الثنائي ” حزب الله ” – عون . لقد انزلقا كثيراً في فائض القوّة بحيث تحوّلت ثقلاً وضعفاً ، وبات أيّ حلّ أو تسوية مسماراً في جبروتهما . فلا أيّ حكومة جديدة ستُشبه حكومتهما ، ولا أيّ قانون انتخاب سيكون على قياسهما .
لذلك ، تتضاعف المخاوف من تأجيج عوامل الصدام الطائفي والحرب المذهبيّة التي عَسّت طويلاً تحت الرماد . فمن يشعر بعزلته التي فرضها على نفسه ، يهرب إلى الأمام ، ويحاول الخروج بالمكاسرة بعدما سقطت كلّ وسائله الأخرى .
وأسوأ المخارج هو كسر العزلة بالفتنة . فتكتمل إذّذاك ” مهمّة ” الحكومة في حياتها ومماتها : شؤم في تشكيلها وشؤم في رحيلها .
فماذا يوقف الصدام الزاحف ؟
إذا كان عطفُ الله ، في سرّ تبدّل الفصول والطقس ، قد أنقذ لبنان من زحف الجراد ، فمن يُنقذه من زحف الفتنة ….. سوى رحمته ؟!
