أحمل شمعة الطفولة وأمشي خلف سعف النخيل. أنت هناك تمشي على مهل على ظهر الحمار. نيالو، ترى أين أصبح ذاك الحمار المبارك؟ اخترتَ أبسط الحيوانات لترسل لنا اشارات التواضع البراقة، ونحن بالتأكيد نمعن في الكبرياء.
في الطفولة كما في الصبا ألبس ثيابا جديدة في الشعنينة. كبرت، لكني أحبّ هذا الشعور. في الطفولة كان الثوب القصير الابيض مع الحقيبة القش الابيض ايضا من الضرورات المصيرية! كنا نطالب أحيانا بقبعة بيضاء يعلوها كل أنواع الريش والزهور الاصطناعية وكأنها بيت للعصافير، لكن تلبية الرغبات لم تكن دائما على قدر الطموحات، وياما ياما نمت على وجهي قهرا لان برنيطة الاحلام لم تحط فوق رأسي الصغير.
اما للسكربينة فحكاية اخرى، كان لها سحر خاص غريب. سكربينة بيضاء حتما حتما، كنت كلما راقبتها أشعر بالدوار وكأنها حذاء سندريللا، كل ليلة وقبل اليوم المنشود بنحو اسبوعين، افتح الخزانة وأتفقدها وأشمّها، كنت أشعر ان الشعنينة لن تأتي ولن أنتعل سكربينة السحر تلك لاستقبل يسوع، على أساس ان نظرته الاولى ستكون الى سكربينتي وقد يعاقبني اذا كانت متّسخة! اما الشمعة فدائما بيضاء بطول متر على الاقل. شمعة لا شيء فيها من هذه الايام. طويلة لا دبدوب يتعمشق الى عنقها او حبيبات من الكريستال وما شابه، أغصان زيتون وشريط أبيض فقط لا غير. الكثير من الاغصان لشمعة تفوقنا طولا أحيانا وتبدو وكأنها شجرة متنقلة، نحملها يوم العيد ونطوف بها في دار الكنيسة وكأن يسوع يتقدّمنا. كنا على قناعة تامة انه في المقدّمة، لكن قامة الكبار تحجبه عنا، أو شعر النساء الذي ينتصب فجأة طبقات في هذا اليوم ويحجب الرؤيا، ولا أنسى ما جنته يداي مرة حين أقحمت الشمعة في شعر احدى قريباتي لاتمكن من رؤية طبق الزيتون الذي يمشي خلفه يسوع، فاحترقت التصفيفة وأكلت نصيبي من التأنيب ولم ار يسوع…مذذاك اليوم لم نعد نراه. سقط منا حتى الخيال. الشعور بأنه يمشي بيننا، يباركنا، يبتسم تلك البسمة الالهية الحنونة، يرفع يده بتواضع كبير ليطمئننا بأنه معنا يحمينا من نفسنا ومن كل شرّ يفوقنا قوة. هو لم يترجّل عن تواضعه لكننا لا نراه. نحن نمعن في الجمعة العظيمة لحظة الفرح وهو يبارك اورشليم، وحتى في لحظة قيامته، كل أيامنا له مسامير في اليدين والقدمين وحربة في القلب.
وحدهم أطفال الزمن يرونه يمشي في زياح الشعانين، يبتسمون ونحن نستغرب لماذا يفعلون. لانه يمر بهم، يمرّ بنا، يمشح القلوب، فرح اللحظة غير مفهوم فنظن انها فرحة لقاء الاهل في ساحة العيد. سخافة. لقاء الاهل جميل لكنه لا يخلع القلوب من مكانها فرحا ليطير بها الى عالم الصفاء، هذه لحظة الشعانين وان كانت متوثبة على الالم العظيم، ها هو يخبرنا اننا بالالم نعيش القيامة، وان الفرح والحزن متلازمين لنكون على صورته ومثاله.
يوم الشعانين شمعة بطول عمر الطفولة حتى اللحظة، وسكربينة برائحة البراءة والايمان الذي لا تشوبه شائبة، أقف الى عمر الفستان الابيض وأمشي خلف الحمار والوّح لك يا سيّد، لن أكبر سأبقى أبحث عنك بين الحشود وأحرق الف فروة بشمعة الحنان، يقينا مني انك في المقدمة تراقب وصولي اليك وتدور بنا بأغصان الزيتون يا سيّد الحياة والقيامة…
