#adsense

المعطى الأول: الطبيعة “اللاتعايشية” لـ”حزب الله”

حجم الخط

بعد “صلح الدوحة” سمّت قوى الرابع عشر من آذار الرئيس فؤاد السنيورة مجدّداً لترؤس الحكومة، فكانت ردة الفعل الأولى لدى “حزب الله” وملحقاته انها تسمية استفزازية متطرّفة. الوفاقي في عرفهم آنذاك كان يقتضي تسمية رئيس “تيار المستقبل” سعد الحريري.

بعد انتصار القوى الاستقلالية في الانتخابات التشريعية الماضية، تسلّم الحريري رئاسة الحكومة، مستنداً الى الفوز خيار سياسي على آخر في أول انتخابات مسيّسة الى هذا الحد بين ائتلافين اثنين في طول البلاد وعرضها، من دون أن يكون لذلك من تأثير في الوقت نفسه لجهة وضع مشكلة سلاح الحزب على سكة المعالجة، ولا أن يكون ثمة بديل عن “تقليد” رئاسة نبيه بري لمجلس النواب. لكن “حزب الله” وملحقاته لم يكتفوا حتى بالمعاملة بالمثل على أساس تحقيق التوازن بين الصدى الشيعي لرئاسة المجلس والصدى السني لرئاسة الحكومة. إذ لم يطل الوقت بـ”حزب الله” وملحقاته حتى اعتبروا أن الرئيس الحريري هو الآخر ليس توافقياً. ما طرح سؤالين: من هو التوافقي بالنسبة إلى “حزب الله”، وماذا لو لم يتوفّر؟ أما السؤال الثالث كما يطرح نفسه: من نصّب الحزب والياً على التوافق؟!

فإذا جرت الإطاحة الانقلابية بصلح الدوحة، وكانت عراضة القمصان السود ذات صباح كالح، خرجت علينا منابر “حزب الله” وتوابعه بتحديد جديد للشخص التوافقي في هذه المرحلة: نجيب ميقاتي. وهذه المرة لم يكن التوافقي شخصاً يسمّيه ائتلاف استقلالي إسلامي ـ مسيحي أو يفرضه انتصار ائتلاف كهذا في انتخابات، بل إنه انشق من موقعه كوديعة عن الأكثرية الذي كان جزءاً منها، وعرّضه قبوله برئاسة الحكومة لخسارة أوراق أساسية لديه كلاعب سياسي، ثم تكفلت السنتان الممتدتان بهدر كل رصيد كان له. بدلاً من أن يكون المعيار للتوافقية هو رجحان الكفة داخل بيئته الأهلية، صار المعيار هو العكس تماماً لدى الحزب: الاستعداد للتضحية والتفاني بمعزل عن الحسابات الداخلية لأي بيئة داخلية غير تلك المؤطرة بتعريف “أشرف الناس”.

لكن هنا أيضاً، ومع اختلاف حالة ميقاتي “الوسطي المعتدل” عن حالتي السنيورة والحريري، فقد اعتمد “حزب الله” الصيغة نفسها: الدفاع عنه في البدء على أنه توافقي، والتحامل عليه بعد ذلك، على أنه يخاطر بالتوافقية أو يخرج عنها.

كل هذا من دون أن يفكّر عقل “حزب الله” للحظة واحدة بأنّ مفهومه للوفاق مزاجي بامتياز، واعتباطي تماماً، وأنه بمزاجيته واعتباطيته تلك يقدّم المثال على ابتعاده عن كل روحية توافقية، فكيف إن أضيف ذلك إلى إيديولوجيا تعبوية، وتسلّح احتكاري، وارتباط إقليمي شامل؟

إن عدم قدرة هذا الحزب على التعايش لا مع السنيورة ولا مع الحريري وفي نهاية المطاف لا حتى مع ميقاتي هو المعطى الأساسي الذي يخبر الكثير عن طبيعة “حزب الله” والشكل التصادمي تماماً لعقيدته وسياسته التي لا يمكنها فك الارتباط بين ما هو مذهبي وبين ما هو فتنوي. فمن لا يستطيع أن يتعايش حتى مع ميقاتي الذي صار يرمز إلى أقصى حد من الاختلال في التوازن، لا يستطيع أن يتعايش مع أحد آخر. ومن لا يستطيع التعايش هذه مشكلته، ولا يمكن أن يدفع الآخرون ثمنها طول الوقت.

أياً تكن الاعتبارات الآنية، فإن ما خسره “حزب الله” بإظهاره عجزه عن التعايش حتى مع الميقاتي ليس قليلاً.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل