منذ اندلاع الثورة السورية وحتى اليوم، لم تحمل الأيام أي تطور إيجابي يزيح عن كاهل “حزب الله” عبء الإخفاقات التي أوصل نفسه وجمهوره إليها ليصبح كسائر أضلاع بوصلة مقاومته بين الأزقة والزواريب أو أشبه بمنظمة أضحت منقسمة بين مكانتها الوطنية وهويتها كحركة مجاهدة فباتت مشوّشة بسبب الظروف والتطورات التي استجدّت خلال السنوات القليلة الماضية على الساحتين المحلية والعربية.
وفي ظل التطورات هذه، بدأت قيادة “حزب الله” تستشعر بأزمة حقيقية سببها الضياع الذي تعانيه منذ أغرقت نفسها في الوحول السورية وهو الأمر الذي انعكس سلباً على عمل جناحها العسكري الذي نقل غرفة عملياته من الجبهة الجنوبية حيث العدو المفترض إلى داخل العمق السوري دعماً لنظام آل الأسد ليظهر جلياً أن الحزب الذي اتخذ من المقاومة عنواناً لحركته، ما هو إلا حجر شطرنج يجري نقله بحسب ما تستدعي الحاجة.
ومن المهم القول، إن مشكلة “حزب الله” اليوم تكمن في وقوعه بين معادلتين؛ معادلة المرحلة التي بدأت تلفظ أنفاسها شيئاً فشيئاً، وهي كانت تتميز بتحالف ثابت إستراتيجي مع إيران وسوريا ومحورية مفهوم المقاومة وإمكانية توسيع أفقها لتشمل الشعوب “المضطهدة” في كل الأصقاع، وبين المرحلة الحالية التي تتميز بتحولات جوهرية تعطي الأولوية للاعتبارات الداخلية وللسلام المنتظر في المنطقة، والتي يجب أن تستكمل فيها الدولة اللبنانية أدواتها السياسية والعسكرية لبسط سيطرتها الكاملة على كافة أراضيها.
وفي ظل التأزم الذي تعيشه قيادة الحزب في المرحلة الحالية وفي ظل التخبّط الحاصل على المستويين السياسي والعسكري تكشف بعض المصادر المطلعة على ما يجري داخل أروقة “حزب الله”، عن تبديلات جذرية سوف تشهدها قيادة الحزب السياسية خلال الفترة القريبة هدفها إعادة تفاعل وتواصل الحزب مع محيطه العربي والذي كان فقده منذ ما قبل انطلاق “الربيع العربي”، وقد تطال التبديلات هذه بعض الكوادر العسكرية والأمنية داخل الصفين الأول والثاني نتيجة الإخفاقات التي مُني بها الحزب والتي كان آخرها تفجيرات “بورغاس” في بلغاريا.
النواب الأكثر حظاً لتولّي مهمات أساسية في حال عمد “حزب الله” إلى إجراء هذه النقلة داخل بنيته السياسية هم: ن م، ع ف و ح ف، وبحسب المصادر أن هؤلاء النواب يعكفون منذ فترة على إعداد دراسات معمّقة من شأنها إعادة وضع الحزب على السكّة الصحيحة بعدما انحرفت منذ إندلاع الثورة السورية، ورغم الاختلاف الشديد في وجهات النظر بين الأمين العام لـ”حزب الله” السيد حسن نصر الله ونائبه الشيخ نعيم قاسم حول بعض الأسماء التي سوف يخوض الحزب بها الانتخابات النيابية في حال حصولها، إلا أن قاسم المشهود له بتطرفه، بحسب المصادر، استطاع انتزاع هذا الملف لصالحه وبدأ يعدّ العدّة منذ اللحظة مع مجموعة كبيرة من الكوادر السياسية للتحضير لهذه الانتخابات.
لم يكن “حزب الله” ليدخل في دراسات وتحليلات حول ما يجري في المنطقة من دون إذن الإيراني أو علمه، وهذا أمر مؤكد لا مجال لإنكاره أو حتى النقاش فيه، ومن هذا المنطلق تعتبر المصادر أن الحزب يدرك تماماً بأن مسألة رحيل بشار الأسد ليست سوى مسألة وقت وأن الدخول في حرب مع الحركات الإسلامية السنية الصاعدة لن تكون في مصلحته ولا مصلحة الطائفة التي ينتمي إليها، ولذلك فإن أولوياته اليوم هو تجنّب هذا الصراع والتعاطي بموضوعية مع هذا البحر السُني خلال حقبة مقبلة لن يكون للأسد مكان فيها وقد يرافقها تبدل ملحوظ في الموقفين الإيراني السياسي والديني.
ومن زاوية أخرى، المُلاحظ أن جميع هذه المستجدات تتم بالتوازي مع ضغوط خارجية تدفع إلى تحوّل “حزب الله” للعمل السياسي والمدني، وما كلام الرئيس الأميركي باراك أوباما بالأمس حول ضرورة اعتبار الحزب منظمة إرهابية، سوى دليل إضافي على وجوب إنهاء عسكرته بعدما ثبُت عدم جدواها منذ الانسحاب الإسرائيلي من لبنان وبعدما تحوّل هذا السلاح إلى لعنة تهدد البلد وإلى سبب أساسي لتنامي الأسلحة المنتشرة في كل بيت وشارع حتى بات السلاح “المقاوم”، مشكلة مستعصية داخل بيئة الحزب حيث كثرت أعمال السرقة والقتل وتجارة المخدرات في المناطق التي تخضع لنفوذه من دون أن نُسقط من الأذهان ظاهرة العمالة المتفشية داخل جسمه العسكري.
لا تُخفي المصادر خشيتها على مصير البلد في حال إصرار الحزب على اتّباع النهج نفسه الذي يسير عليه، ولذلك هي تدعوه إلى إعادة رسم أولوياته وفق المصلحة الوطنية العليا، فالأفق ما زال مفتوحاً لمد يد التعاون إلى بقية الأفرقاء اللبنانيين، وحتى اللحظة هناك طاقة صغيرة يمكن أن ينسلّ النور من خلالها لكن هذا لن يحصل إلا في حال اعتراف “حزب الله” بنهائية الكيان اللبناني وبأن الدولة وليس الدويلة، هي وحدها قادرة على حماية أبنائها.