#adsense

أين يصرف “حزب الله” استقالة ميقاتي؟

حجم الخط

ليست استقالة حكومة الرئيس نجيب ميقاتي مسألة عابرة في هذه اللحظة الحرجة إقليمياً ومحلياً، ولا يمكن دراسة حقيقة أسبابها ودوافعها، كما نتائجها المرتقبة، من خلال حصرها بمسألة عدم التجديد للمدير العام لقوى الأمن الداخلي اللواء أشرف ريفي أو عدم تشكيل هيئة الإشراف على الانتخابات.

قال الرئيس ميقاتي بلسانه أن فكرة استقالته راودته مرتين قبل أن يقدم في الثالثة، الأولى كانت حين عقد العزم على تمويل المحكمة الدولية الخاصة بلبنان والثانية لحظة استشهاد اللواء وسام الحسن. في المرة الأولى كانت الظروف الإقليمية غير مناسبة وارتأى “حزب الله” أنه يمكن مسايرة ميقاتي والسماح له بتمرير التمويل، فكان له ذلك لكي يحافظ على الحكومة التي أتى بها بنفسه ويديرها وفقاً لمصالحه وأهوائه وخدمة لمخططاته ومخططات النظام الأسدي ونظام الملالي في طهران.

وفي المرة الثانية، وعلى الرغم من فداحة الموقف على الصعيدين الشخصي والمذهبي بالنسبة لميقاتي، فإن اغتيال رئيس شعبة المعلومات اللواء الشهيد وسام الحسن كانت رسالة إقليمية ذات أبعاد لم يكن باستطاعة ميقاتي تجاوزها ولا حتى القبول بها، لكن أولياء الأمر رفضوا أن تستقيل حكومتهم، فرضي رئيس الحكومة بالواقع واستمر ممتشقاً سيف السلطة معنوياً ومن دون أي قدرة تنفيذية حقيقية له.

في تلك المرحلة، كانت الحرب الأهلية في سوريا تستعر وكان النظام لا يزال يعتقد بأن الظروف الدولية لا تسمح بإسقاطه، بل لا تريد ذلك، وطبيعي أن يعتقد “حزب الله” أنه لا يزال يستطيع التحكّم باللعبة السياسية الداخلية مستقوياً بسلاحه وتراجع الإرادة الدولية تجاه الحسم في مسألة سقوط النظام السوري.

لكن بين تشرين الأول الماضي ويوم الاستقالة، تغيّرت المعطيات كثيراً وبدا ميزان المواجهة الإقليمية مختلفاً جداً، وكان من الطبيعي أن يقرأ الرئيس ميقاتي هذه المعطيات، ويفكّر بالمخرج الذي يمكن أن يتوفّر له لتكون “الثالثة ثابتة”. لقد شكّلت المعارضة السورية حكومة في المنفى، وحقق الجيش السوري الحرّ تقدماً ميدانياً تمثل باستعادة السيطرة على منطقة بابا عمرو في حمص المدمّرة، وانتفاضة مدينة الرقة التي كانت تتباهى بوقوفها مع النظام، فأعلنت طرد محافظها ونزل عشرات الآلاف من مواطنيها إلى الساحة الرئيس فيها ينادون بإسقاط الطاغية الأسدي.

ثم كانت جولة وزير الخارجية الأميركي جون كيري الذي تحت وطأة القرار البريطاني والفرنسي المشترك في تسليح المعارضة السورية قال إن بلاده لن تعارض هذه الخطوة، في إشارة فهم اللبيب منها أن الولايات المتحدة لا تريد أن تكون لها يد مباشرة في التسليح لكنها تؤيده وترحّب به. ثم جاء إعلان الأمين العام لحلف شمال الأطلسي بأن بعض الدول الأعضاء في الحلف تنوي القيام بعلمليات “عسكرية منفردة” في سوريا، في إشارة إضافية إلى أن الحلف لم يعد يريد الوقوف موقف المتفرّج على المجازر التي يرتكبها النظام السوري بحق شعبه.

ولم يكن بعيداً عن هذه الأجواء النداء الذي وجّهه زعيم حزب “العمال الكردستاني” عبد الله أوجلان إلى المتمردين الاكراد لـ”إلقاء السلاح” والانسحاب من الاراضي التركية، مؤكداً أن الوقت قد حان “لتغليب المسار السياسي”، فقد اعتبر المراقبون ذلك خطوة تسمح لتركيا بأن تأمن ظهرها في حال قرّرت أنقرة التدخل في عمل عسكري في سوريا.

وترافق ذلك مع الزيارة “الناجحة” للرئيس الأميركي باراك أوباما في بداية ولايته الثانية إلى إسرائيل, حيث شن هجوماً على الأسد معتبراً ان عليه الرحيل لبدء البحث في مستقبل سوريا، من دون أن يغفل عن مناشدة أوروبا في وضع “حزب الله” على لائحة الإرهاب والتعامل معه على هذا الأساس، ناهيك عن دفعه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى الاتصال بنظيره التركي رجب طيب أردوغان للاعتذار منه على حادثة أسطول الحرية” في غزة ومقتل مواطنين أتراك على يد قوات الكومندوس الإسرائيلية.

لم تكن تلك المتغيّرات لتصب في خانة بقاء الحكومة الميقاتية واستمرارها في تشكيل الغطاء لـ “حزب الله” ليمعن في تحكّمه بالوضع اللبناني الداخلي، ناهيك عن تورّطه المعلن في الحرب الأهلية السورية إلى جانب النظام وما قد يجره ذلك من ويلات على لبنان والوضع الأهلي فيه، والخروج عن السياسة الرسمية اللبنانية لـ”النأي بالنفس”، خاصة وأن ميقاتي استشعر أن أيام بشار الأسد أصبحت معدودة.

لقد وجد ميقاتي أن القفز من قارب الأسد الذي أوشك على الغرق، وابتعاده عن رئاسة الحكومة بحجة الدفاع عن التمديد لابن مدينته وصديقه، المدير العام لقوى الأمن الداخلي اللواء أشرف ريفي، فرصة سانحة لكي يخرج من المستنقع الذي دخل إليه بقدميه مختاراً، ولكي يحافظ على الحد الأدنى من ماء الوجه الذي بقي له، إن بقي، ولكي يحدث الصدمة التي كان يحتاج إليها فعلياً “حزب الله” والتيار العوني على السواء، علّهما يعيدان حساباتهما فيغيّران من وجهتهما التي ما زالت تقود البلاد إلى شفير الهاوية.

كثيرة الأسئلة التي طرحت حول سبب قبول “حزب الله” بتطيير الحكومة التي ألّفها بإرادته وعلى ما يبتغيه، وهذا ما عبّر عنه الأمين العام لتيار “المستقبل” أحمد الحريري بوضوح، وكثيرة هي الآمال التي تعقدها قوى “14 آذار” على خطوة الاستقالة لكي تعود طاولة الحوار إلى الانعقاد تحت راية رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان للبحث في سبل حفظ الاستقرار وصون السلم الأهلي واحترام المواعيد الدستورية للانتخابات التشريعية، وهي المسألة التي تنصبّ أنظار العالم كله عليها، لكي يبعدوا عن لبنان “الكأس المرة” بتأجيلها ومغبة وضعه على لائحة الدول المارقة أو الفاشلة.

لقد استمر “حزب الله” لسنوات ثمانٍ في فرض شروطه على اللبنانيين بحجة أن الفريق الآخر غير راغب في تدمير البلد من خلال الاصطدام بفريق لبناني والانجرار إلى مشروع فتنة وحرب أهلية، لكنه الآن أمام مشهد جديد بدأ يتظهّر نتيجة سياسته وإيقاظ بذور التطرّف، فهل “سيتواضع” ويعيد القراءة الداخلية ويقول “الله حق”، وهل سيقتنع النائب ميشال عون بأن تمسّكه بمشروع قانون “اللقاء الارثوذكسي” كقانون وحيد يرضى به لخوض الانتخابات، بحجة أنه يعطي المسيحيين التمثيل الصحيح، سيفتت البلد ويقضي على السمة التي ميّزته على قول البابا الراحل يوحنا بولس الثاني بأن لبنان بلد “الرسالة”، فيخفف من “عناده” وينخرط في حوار حقيقي لإنقاذ لبنان بأكمله وليس كتلته النيابية فقط؟

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل