مع ان الازمة الطالعة بعد استقالة الحكومة ستختلف اختلافا جذريا عما كان قبلها، تملي “الحكمة” على القوى السياسية الا تنام على حرير الماضي القريب والبعيد في استعادة فصول أكل الوقت واستهلاكه في كل تجربة مماثلة عرفها لبنان. هذه التجربة الجديدة لا تقاس بمعايير سابقاتها لا في عهود ما بعد الطائف او ما قبله لانها ازمة مشدودة بالكامل الى الحرب السورية وشظاياها المتطايرة على دول الجوار.
ثمة واقع بات اشبه بتقليد تاريخي يجعل المتوسط الزمني لتشكيل الحكومات لا يقل عن خمسة اشهر ما بين التكليف والتأليف. لا بل هو تقليد لم يوفر رئاسة الجمهورية بعد انتهاء الولاية الممددة للرئيس اميل لحود والفراغ الرئاسي مدى سبعة اشهر.
ولكن الامر لا يتصل هذه المرة بالتطبع مع هذه العادة السيئة، بل بالاهم والاخطر الذي يتمثل في اختبار ذهاب القوى السياسية الى تسوية عاجلة لا مفر منها من دون راع خارجي.
ولا يلام اللبنانيون ان تخوفوا من ترك الخارج الدولي والعربي للبنان يقلع شوكه بيديه ما دامت ثقتهم منعدمة تماما في قدرة القوى السياسية على حل الازمتين الحكومية والانتخابية بمجرد الاحتكام الى الاصول الدستورية. وحتى الكلام عن الحوار كوصفة مستدامة للازمات فقد كل مفاعيله ولم يعد مجديا لفرط ما جرب المجرب.
واذا كان للقمة العربية المنعقدة في الدوحة من رمزية بالنسبة الى لبنان، فانها تبدو بمثابة انعاش قسري لحقيقتين اساسيتين اولاهما ان لا مكان في اهتمامات العرب والعالم اليوم سوى لسوريا، وثانيتهما ان لا دوحة لبنانية ولا اي منتدى عربي او اجنبي آخر يتسع لحوار لبناني الا في لبنان. وما دامت المعارضة السورية نفسها عانت وتعاني الامرين من تشابكات المصالح الدولية والاقليمية فيما هي تخوض حربا وجودية مع النظام، فكيف للبنانيين بأن ينتظروا وهم الخداع بتسويات تأتيهم من الخارج؟
لعل افضل ما تقدمه هذه الوقائع والحقائق من نتائج قاسية وصارمة يتمثل في تبريد الرؤوس الحامية في لبنان وحض اصحابها على التواضع القسري ولبننة الحل الذي لا مفر منه في النهاية لبننة كاملة. العالم ليس متفرغا للبنان، ولا في “اجندته” الهرولة الى ازماته المتناسلة. والاسوأ من ذلك ان فتح بؤرة مشتعلة في لبنان لن يجعل العالم يرتعد ما دام اكثر من مئة الف ضحية في سوريا لم يحرك ساكنا لديه بعد، بل ان شياطين لعبة الامم تمعن في التمديد لهذه المأساة الهائلة وشلالات الدم المفتوحة على مزيد.
وهي مسألة ايام واسابيع قليلة لتظهير “دوحة” لبنانية صرفة هذه المرة او الذهاب تكرارا الى ادمان العادات القاتلة عبر الفراغ ومشتقات. وقديما قيل “ما مت ما شفت مين مات؟”!