عندما يصبح لبنان أسير حزب السلاح وفكر السلاح، وعندما يتم اختطاف الدولة بواسطة هذا السلاح، وتنتشر عصابات من بعض أبناء العشائر لتدافع عن السلاح وأهله في الضاحية الجنوبية والبقاع، وتعجز الأجهزة الأمنية عن ضبط الأجنحة العسكرية العشائرية التابعة لـ”حزب الله” عن ارتكاب جرائم الخطف والقتل والسرقة، يحق للمواطن اللبناني أن يسأل متى يرتاح “حزب السلاح” ويريح، وهل سيبقى يلعب في ساحات الوطن عبر تويتر الأجواء تارة اخرى بالسياسة، وتارة أخرى بالفلتان الأمني تحت عناوين مختلفة، إلا انها تأتي في سياق مشبوه وتعرض اللبنانيين لمخاطر كبيرة نتيجة الطابع الفتنوي المغلف بأشكال متعددة لإبعاد الشبهة عنه، إلا أنه يتبين بعد ذلك أن كل ما دار ويدور معجون بأيدي الحزب الإلهي المصرّ دوماً على اللعب بالنار وبأرواح اللبنانيين من أجل إرضاء الولي الايراني والحليف الأسدي.
ما يعيشه البقاع اللبناني منذ يوم الأحد الفائت من حالة تنذر بإشعال وقود حرب بين عرسال وجوارها، على خلفية تحرك المسلحين “الجعافرة” وقيامهم بخطف عدد من أهالي عرسال على طرق البقاع، رداً على اختفاء حسين كامل جعفر على الحدود اللبنانية السورية وتوجيه أصابع الاتهام إلى “الجيش السوري الحر”.
ويبدو ان “حزب الله” المتخفي وراء مسلحي عشيرة “آل جعفر” يسعى إلى تنفيذ مخطط ما في هذه المنطقة، بعدما فشل سابقاً في تحقيق هدفه، عندما حصلت حادثة مقتل خالد حميد الذي قيل انه مناصر للثورة السورية والمطلوب بمذكرات توقيف للمحاكمة، وتبين بعدها ان “حزب الله” ورّط الجيش اللبناني في هذا الأمر، وأدى الحادث المشؤوم إلى استشهاد الرائد بيار بشعلاني والرقيب الأول ابراهيم زهرمان، ولولا حكمة القيادات الأمنية والسياسية في معالجة الأمور في حينه رغم صعوبة الأمر لوقعت المصيبة الكبرى.
والمتابع للأحداث لا بد وأن يربط الأمر مع تدخل “حزب الله” في القتال الميداني لحماية عناصر كتائب بشار الأسد الذين يشنّون هجمات متكررة لإبقاء سيطرتهم على حمص والقصير، رغم الادعاء بأن تواجد عناصر الحزب هو لحماية الشيعة اللبنانيين في القرى السورية الواقعة على الحدود، فادعاء مثل هذه المهام لتبرير تنفيذ أوامر النظام الايراني الذي يدخل جيشه للدفاع عن الأسد ويرسم مهام ميليشياته اللبنانية في هذا الإطار، مردودة ومكشوفة، وكل المبررات التي يقدمها هذا الحزب لم تعد مقبولة من قبل اللبنانيين، حتى من قبل جمهوره.
عمليات الخطف في البقاع لا تختلف كثيراً، انها محاولة أخرى لتوتير الأجواء وإثارة الفتنة السنية الشيعية بين بلدات لم تعرف خلال سنوات الحرب الأهلية أي توتر، فالعلاقات كانت علاقة قرابة وجيرة ولم تكن أيدي الشر تعبث بينها، بل كان الجميع ضحايا هيمنة نظام المخابرات السورية عليها، ولعل توجيه الاتهام إلى “الجيش السوري الحر”، منذ اللحظة الأولى لوقوع حادثة الخطف قبل اتساع العمليات لتشمل ثمانية آخرين، وإطلاق سراح بعضهم بعد متابعات واتصالات تم الافراج عن ثلاثة منهم، يشير إلى وضوح الهدف وهو توتير الأجواء مجدداً تحضيراً لشيء ما، ولعل تهديد مسلحي آل جعفر بقطع الطرق والتحرك بسلاحهم دون رقيب أو حسيب وغياب القوى الأمنية عن القيام بدورها والتحرك لضبط الأمر مؤشر على ذلك.
ان اختباء “حزب الله” وراء مسلحي العشائر وارتباط بعض أبناء هذه العشائر بتيارات سياسية معينة يجب ألا يدفع العشائر البقاعية أو غيرها إلى السقوط في فخ الفتن عبر الخطف على الهوية وقطع الطرق، وجعل العشيرة الفلانية أو غيرها أسيرة قوى مخابراتية تفتن بين الجيران والأهل، وتغرق لبنان في شباك الحرب.
بالأمس أكد رئيس بلدية عرسال علي الحجيري ان السلم الأهلي مسؤولية الجميع وأعرب عن استعداد الأهالي للمساعدة في اطلاق المخطوف حسين جعفر، مؤكداً انه إذا ثبت تورط أحد أبناء عرسال بخطفه فنحن سنسلمه.
على أية حال يبقى الأساس تمسك الجميع بالقانون وعدم الخروج عن الدولة والالتزام بسلطتها على الجميع، هذا هو المخرج الوحيد لكل الإشكالات التي تحصل سواء العفوية منها أو المنظمة، لا محاكاة الفوضى كما حصل عندما تم إعلان خطف حسان المقداد وقيام العشيرة بإنزال فصائل مسلحة والقيام بعمليات خطف مؤذية إنسانياً، ويومها أعلنت عشيرة آل جعفر في بيان تأييدها “المطلق” لعشيرة آل المقداد، كما أشارت إلى مجموعات تابعة لها تدعى “مجموعات العباس” ستلاحق الخاطفين داخل الأراضي السورية، وأمام مثل هذه الوقائع لا بد من القول أخيراً.. حقاً هزلت.