#adsense

دولة الرئيس ميقاتي… بعد تصويب البوصلة

حجم الخط
 

التراكم…. تراكم الضغوطات والإنكفاءات وحصول المخالفات المفضوحة من قبل الفريق المستحكم بالحكم والتي تم من خلالها تجاوز الدستور والقانون والعرف، حتى لأصبحت الغلبة للإرتباط بالأنظمة الخارجية وبمليشياتها وأزلامها المحليين، وبتنفيذ سياساتهم المعلنة والخفية، فتدهورت الدولة بسياستها واقتصادها وأمنها وإدارتها واخلاقياتها، وتراكمت الأحداث على الرئيس المستقيل الذي غالبا ما منع عن ممارسة دوره، ودفع به إلى موقع طاولته الهزات والافتعالات، حتى لم يعد بمقدوره أن يعين أو يمدد لموظفين ولضباط هم في المجال الحيوي المحدد لموقعه ولطائفته، وحتى لباتت مسيرة الحكم، يتحكم بها وزراء لهم تبعيتهم وانتماءاتهم دون أن يراعى في ذلك، توفر أدنى الشكليات التي تحفظ لرئاسة الجمهورية والحكومة بعضا من دورهما ووجودهما وكرامتهما، ولنا في أفعال وافتعالات الوزير منصور خاصة، خير مثال وخير دليل، فتأكد بذلك مجددا وجود دولتين في هذا البلد المنكوب من داخله ومن خارجه وعلى كل صعيـد ، فانقلب الجهاد ضد اسرائيل إلى وجهات وتوجهات داخلية، كما انقلب قتالا شرسا ضد الشعب السوري، مواطنين وثـورة ووطنا، ويصرح مسؤولو حزب الله بصدده أنهم إذ أخذوا وجهتهم صوب سوريا، فلغاية حماية اللبنانيين الشيعة المقيمين فيها في بعض الامتدادات الحدودية ملتبسة الإنتماء، فإذا بهم يعودون من «مهماتهم الجهادية» مع الأسف، جثثا يجري دفنها وسط التمويه والتكتم، منعا من امتداد الإحتجاج والإعتراض والنقمة، الى الداخل اللبناني وإلى حيث هناك أمهات وآباء هالهم مصير أبنائهم المجاهدين بعيدا عن ساحات الجهاد الحقيقية وكاد حكم الدولة أن ينحصر في تنفيذ مهام الدويلة، وأصبحت الدويلة صاحبة الحل والربط والقرار الحاسم والحازم.

تراكمت الإنتهاكات والضغوطات والإنكفاءات، فطفح الكيل، على ما صرح به الرئيس ميقاتي الذي تعرض لضغوط عدة وحمل أثقالا كبيرة، على ما أدلى بـه الرئيس بري تفسيرا وتبريرا. وهكذا وقع الرئيس ميقاتي في الشرك الذي نصبه له عديدون، وأسهم في نصبه حظه وحظ 8 آذار العاثر، إذ تصادف ترؤسه لحكومة رافقت ولادتها ولادة الثورة الشعبية السورية فباتت الدولة في إدارة وتحكم حزب الله، الذي تمكن مع حلفائه في النظامين السوري والإيراني، من إحداث ذلك الإنقلاب المشهود على حكومة الرئيس سعد الحريري، مما مكن من تأليف الحكومة التي بدأ وجودها بيوم القمصان السود، وليل العتمة والنقمة التي جاءت بهذا الحكم المتحكم الملتبس وحكومته التي طاولتها الضغوطات والمناكفات ودفعت بها الى الإستقالة، وهزتها آثارها وزلزلتها نتائجها، رغم ما يدعيه أصحاب القبضة السلطوية من «نأي بالنفس» عن الحدث وتداعياته، تاركين للرئيس ميقاتي، اتخاذ الموقف الذي يشاء، والوجهة التي يريد، متقصدين في الواقع إحداث الفراغ الكبير الذي لطالما جرى الحديث عنه وتم التحذير منه.

وشاء الرئيس ميقاتي، وربما هي المرة الأولى التي يحقق فيها مشيئته الشخصية وهو في الحكم، صافية من ضغوطات الأمس وقيادة الممسكين بالخطوط والخيوط،  فبهدلوا السياسة وشرشحوا الأوضاع وهددوا سلامة البلد، وما يزالون، بشتى أنواع الممارسات السيئة والمخاطر المدلهمة، وها هو لبنان اليوم يدخل في مرحلة لم يعهد مثيلا لغموضها وتوقعاتها الداكنة قبل الآن والتي تكاد أن تهز لبنان، وطنا وكيانا، وأرضا وشعبا ومؤسسات.

ومع كل ما قيل ويقال، لقد احسن الرئيس ميقاتي بحق البلاد والعباد وبحق نفسه وبحق محيطه، إذ أقدم على هذه الإستقالة التي جاءت في وقتها والتي لطالما توقعناها منه لسبب أساسي بعيد عن الأسباب المطروحة سياسيا منذ مدة، والتي وصلت إلى حدود الضغوط المتراكمة والمتنوعة، ألا وهو استغرابنا لاستمرار وجوده حيث هو، لمدة تتجاوز العامين، متحملا أعباء مفروضة لم يكن ليقبلها لنفسه ولا لشعبه لو علم بما سبقها من نوايا وخبايا. والرئيس نجيب ميقاتي الذي نعرف طبيعته وحقيقته، لم نتوقع له أن يرئس حكومة بهذه النوعية وهذه الاتجاهات، فهو من معدن، ومن مدينة ومن بيئة تخالف الموقع الذى كان له وحشروه فيه، مغامرا بما يملك من رأسمال وطني وشعبي وأخلاقي، خاصة بعد أن شوته هذه الحكومة وقلته، بما وضعت في وجهه من سدود وحدود. ونصبت له من اشراك ومن مطبات. فقد قلصت من قدراته على الحكم والتحكم، واطلقت العنان لاخطاء وخطايا، افتعلتها وفرضتها فطاولته وطاولت الوطن من خلالها، حتى لدفعت به بعد ما يزيد على العامين إلى اعتبار أن الكيل قد طفح، وأنه قد آن أوان الرحيل، وطي الصفحة وتصحيح الأوضاع، فقدم استقالته في وقت مناسبِ، ولقيت هذه الاستقالة تأييدا شعبيا واسعا حيث جاءت في وقت توهج فيه الفلتان الأمني في مدينته طرابلس وفي اكثر من موقع ملتهب من لبنان، وفي حين حوصر فيه من كل الجهات، حتى لطاوله الإختناق في قضايا كثيرة، في طليعتها قضية اللواء أشرف ريفي إبن طرابلس، والإسم الذي بات مدويا في سمائها على صعيد مستقبله السياسي ومدى التأييد الشعبي الذي يحيط به وباسمه وبالدور الرائد الذي لعبه في وضعية الأمن، بتعاون وتآلف وتكاتف مع الشهيد العميد وسام الحسن الذي لم يكن صعبا على أحد توجيه الإتهام بقتله إلى الجهة التي اعتادت الإغتيال والقتل، وقد كاد الرئيس ميقاتي أن يستقيل بعد استشهاده، ويا ليته فعل، لأنه لو قدم الإستقالة في مكانها وزمانهـا، لاختصر أيام الخلل والشلل والمعاناة، ولكن…. ما كان قد كان، وقد كتـب على اللبنانيين أن يعانوا من وضعية سياسية هي الأسوأ في تاريخهم الحديث، ولعل الإستقالة قد خرقت في الحائط المسدود، باباً للفرج.

لقد كان الرئيس ميقاتي في الواقع شاهدا من شهود الحكم المتحكم دون أن يكون فاعلا من فاعليه، وكاد أن يدفع ثمن المساوئ الحاصلة بالكامل، لو لم يعمد إلى تصويب البوصلة وتصحيح الأوضاع، ليخرج من الحكم، وقد مسح عن وجهه معظم الغبار الذي طاوله نتيجة الاضرار التي ألحقها به الآخرون، وعاد الى موقعه الحقيقي، الموقع الوطني والمحلي والخارجي المعقول والمقبول.

المصدر:
اللواء

خبر عاجل