#adsense

عن جبران وفرنسيس.. ومصير المسيحيين في الشرق

حجم الخط
 

عند كلّ سقطة مذهبية مقزّزة، عند كلّ محطة مفصليّة تتطلّب منّا قوّل الحقّ دون سواه، عند كلّ كلام عن الدور المسيحي في هذا الشرق أو عن الخطر الوجوديّ، حيث يحاول “المؤتمنون” علينا تشويه رسالتنا الحقيقية كأنهم يثأرون علموا أو لم يعلموا، لبيلاطس، ولو بعد ألفي عام ونيّف. يستحضرني ما كتبه جبران خليل جبران في أسبوع الآلام، كلمات تعجز الأقلام وتتأهب لها فرِحةً، بمن أعفاها عناء البحث عن أسمى المعاني لتقال بـ(يسوع المصلوب) في يوم انتصاره للحرية على الموت، اخترت منها بعض المقتطفات: “في مثل هذا اليوم من كلّ سنة تستيقظ الإنسانيّة بيقظة الربيع وتقف باكية لأوجاع الناصري ثمّ تطبق أجفانها وتنام نوماً عميقاً. أمّا الربيع فيظل مستيقظاً متبسماً سائراً حتى يصير صيفاً مُذَهّب الملابس مُعَطّر الأذيال. الإنسانيّة امرأة يلذّ لها البكاء والنحيب على أبطال الأجيال. ولو كانت الإنسانيّة رجلاً لفرحت بمجدهم وعظمتهم. الإنسانيّة طفلة تقف اليوم متأوّهة بجانب الطائر الذبيح ولكنّها تخشى الوقوف أمام العاصفة الهائلة التي تعصر بمسيرها الأغصان اليابسة وتجرف بعزمها الأقذار المنتنة. الإنسانيّة ترى يسوع الناصري مولوداً كالفقراء عائشاً كالمساكين مهاناً كالضعفاء مصلوباً كالمجرمين فتبكيه وترثيه وتندبه وهذا كلّ ما تفعله لتكريمه. منذ تسعة عشر جيلاً والبشر يعبدون الضعف بشخص يسوع، ويسوع كان قويّاً ولكنّهم لا يفهمون معنى القوّة الحقيقيّة. ما عاش يسوع مسكيناً خائفاً ولم يمت شاكياً متوجّعاً بل عاش ثائراً وصُلِبَ متمرّداً ومات جبّاراً. لم يكن يسوع طائراً مكسورَ الجناحين بل كان عاصفةً هوجاء تكسر بهبوبها جميعَ الأجنحةَ المعوجةَ. لم يجئ يسوع من وراء الشفق الأزرق ليجعل الألم رمزاً للحياة بل جاء ليجعل الحياة رمزاً للحق والحريّة. لم يخف يسوع مضطهديه ولم يخشَ اعداءَه ولم يتوجّع أمام قاتليه بل كان حُرّاً على رؤوس الأشهاد جريئاً أمام الظلمِ والاستبدادِ، يرى البثور الكريهة فيبضعها، ويسمع الشرّ متكلّماً فيخرسه، ويلتقي الرياء فيصرعه. هذه هي المبادئ التي صُلب لأجلها مختاراً، ولو عقل البشر لوقفوا اليوم فرحين متهلّلين منشدين أهازيج الغلبة والانتصار”.

وكأنكَ جبراننا العظيم حياً تُرزق تعظ الخائفين من الحريّة، ضعفاء النفوس الذين لم يصدّقوا يوماً أنهم ينتمون إلى كنيسة يسوع الذي صرع الموت بالموت، حيث استَشْرَفْتَ خطورة الضعف والبكاء والنحيب في عبادة يسوع، واستطعت بثّ روح القوّة في الأجساد البالية والعقول غير المنتجة المستسلمة بالخوف وللخوف.

بوصفه هذا، أضاء نبيّ الكلمات طريق الحقّ أمام متسوّلي البقاء متوسّلي الحماية من أرواح كهِلة لم تعرف يوماً أن تتمرد طلباً لعلوّ، فأصاب الهدف يوم رأى بالمسيحية قوّة وبالمسيح جبروتاً، ورسم الطريق الصحيح الذي يبقينا في قلب المعادلة روّاداً أقوياء بإيماننا وقيمتنا الإضافية النابعة من أساس وجودنا وقوّة حضورنا وكأنه وقتذاك أراد أن يُرشدنا للانخراط في مجتمعاتنا بقوّة الوجود لا بالضعف، لا بالخوف، لا بالتوسّل، لا بالتسوّل ولا بالذمّية.

نَعَمٌ وألف، إن الوجود المسيحيّ في هذا الشرق هو الضرورة بعينها، ضرورة يحتاجها المسلم ويبحث عنها قبل المسيحيّ، والوجود يعني الانخراط في المجتمع بجرأة، ورُبّ قائل إن في داخل كلّ مسيحيّ صالح يعيش مسلم وفي داخل كلّ مسلم صالح يعيش مسيحيّ.

إن ربط مصيرنا بالدكتاتوريات القائمة أياً كانت ومهما علا شأنها يعني قتلنا ونحن أحياء، نحن أبناء الحياة، أبناء الرجاء، لا يُخيفنا أحد، وهذا الأحد المدّعي حمايتنا (الدكتاتور) هو أول المحتمين بنا والقائم بقوة وجودنا وحضورنا النوعيّ المميّز، الطاغية (أي طاغية) إلى زوال، أما نحن، فباقون هنا إلى ما شاء الله.

إنّ وصف الإسلام، كلّ الإسلام بالأصولية والتطرّف هو الخطيئة الكبرى والقاتلة، بل أكثر من ذلك، هو الجريمة التي تُرتكب بحقّ المسيحيّ قبل المسلم والتي تؤذي المسيحيّ بقدر ما تضرّ بالمسلم. وكأن من يريد وضع الإسلام، كلّ الإسلام في سلة واحدة يسدي خدمةً للنظام المستبد الذي سرق أحلامنا وداس كراماتنا وانتهك حرماتنا وقتل خيرة شبابنا وخطف أهلنا ونكّل بمقدساتنا ونهَب خيراتنا.

هذا النظام الذي يدّعي وبكلّ وقاحة حمايتنا، هو نفسه الذي نفى واعتقل قياداتنا، هو نفسه الذي صلبنا أعواماً عدة فقاومنا جيوشه، مخابراته، كتبته، عبيده والحاشية… هزمناه بعزمنا وصبرنا وصمودنا فانتصرنا بعد أن أخرجناه يلملم أذيال الخيبة، هو نفسه من يصلب شعبه اليوم، شعبه الآبي المنتفض، الثائر الذي يقاوم بجرأة فتبكيه الأمم من بعيد وتراهن على صموده وانتصاره بعد حين.

إلى أصحاب النظرية المريضة المسماة تحالف الأقليّات: أليس الأجدى بكم إعادة النظر والرجوع عن خوفكم القاتل المتلطي وراء مصالحكم الخاصة (وما أكثرها)، بالله عليكم هل تحميكم تحالفاتكم الهشّة في عصر ثورات الشعوب الحيّة المطالبة بالحرية والكرامة والعدالة والديموقراطية والعيش الكريم بمعزلٍ عن طغيان هذا وخارج عباءة ذاك؟ اعلموا أنه ليس من أقلية سوى جهلكم وجبنكم، فكلّ مواطن ينتمي إلى مواطنيّته هو أكثريّ الانتماء، قويّ بحضوره داخل الحزب الأكبر على الإطلاق، حزب المواطنة، لا الطائفة ولا المذهب.

وإن كنتم فعلاً تبحثون عن أقليّات تتشارك “التحالفات والهواجس”، فإليكم “الصهاينة – اليهود”، فهم أيضاً أقليّة تجد مصلحتها في دعم أنظمة الاستبداد وجعلها حائط دفاع أول تعمل لحمايته اعتقاداً منها أنه يحميها. وما إطالة عمر نظام (آل الأسد) في سوريا إلاّ حاجة إسرائيلية بحتَة، وهدوء الجولان يتكلم.

لو سمع جبران خليل جبران الكلام الطائفي المقيت لنَكَرَ هؤلاء، مدّعي المسيحية وهُم منها براء، وتمسّك أكثر بمسيحيّته الرائدة في عصرٍ اجتاحه “تسونامي” الجهل والتخّلف. ملاحظة: سبق لي أن نشرت بعضاً من هذه الكلمات على موقع الجمهورية في مثل هذا اليوم، منذ سنة، لكنّي على يقين أنّ في إعادة نشرها إفادة.

أما بعد، فما معنى أن يقول البابا فرنسيس للمؤمنين المسيحيين الناطقين بالعربية والقادمين من الشرق الأوسط “لا تخافوا من أن تتبعوا وبشجاعة، المسيح المصلوب والقائم، وأن تحملوا فرح ونور إيمانكم إلى الجميع”؟

لنقرأ جيداً هذا الاختصار المفيد من بابا الصليب الخشب والفقراء، ليتأكد لنا أن الخوف لم يكن يوماً ولن… في قاموسنا لا منذ قديم القِدم ولا في عهد جبران ولا حتى في عصر فرنسيس الذي يضيء ببداية عهده شمعة، في ظلمة الليل الكالِح، مهما حاول المحاولون، وما أكثرهم.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل