يرى مسؤول أوروبي بارز معني بالملفين اللبناني والسوري، بناء على معلومات وتقارير ديبلوماسية تلقاها من بيروت وعواصم أخرى، أن “حزب الله” يواجه بعد استقالة حكومة نجيب ميقاتي تحديات جدية إذ انه يجد نفسه مرغماً أمام ثلاثة خيارات صعبة: الأول – هو خيار الحل السلمي التوافقي للأزمة السياسية – الدستورية الذي يتطلب من الحزب أن يقدم تنازلات أساسية من أجل التفاهم مع فريق 14 آذار والوسطيين على تأليف حكومة جديدة وإنجاز قانون إنتخاب مقبول لدى مختلف الأفرقاء يمهد لإجراء الإنتخابات في موعد قريب، ومن أجل الإتفاق أيضاً على التوجهات السياسية المستقبلية داخلياً وإقليمياً ودولياً. الثاني – هو خيار المواجهة ودخول الحزب في صدام مباشر أو غير مباشر مع خصومه السياسيين مما يجعل لبنان يواجه أخطاراً حقيقية ويدفعه الى الإرتباط أكثر فأكثر بالحرب المتفجرة في سوريا وبتداعياتها. الثالث – هو خيار التعطيل والإنتظار والإمتناع عن إتخاذ أي قرارات حاسمة تساعد على حل الأزمة والتمسك بمواقف متشددة تمنع تأليف حكومة جديدة وتؤجل الإنتخابات النيابية الى موعد غير محدد وتحدث شللاً في الحياة السياسية واضطراباً أمنياً أوسع مما يزيد الأوضاع الداخلية صعوبة وتدهوراً وتأزماً في مختلف المجالات ويجعل اللبنانيين عموماً يدفعون ثمناً باهظاً لهذا التوجه.
وأوضح المسؤول الأوروبي ان “سقوط حكومة ميقاتي ليس مرده الى مؤامرة إقليمية – دولية بل الى فشل تجربتها. فقد سقطت هذه الحكومة لأنها تفككت من داخلها تدريجاً ولم يتمكن أعضاؤها من تشكيل فريق عمل موحد متجانس متفق على مشروع مشترك، ولأن الغالبية النيابية التي إستندت اليها مرتبطة بظروف داخلية وإقليمية تغيرت جذرياً بعد انفجار الصراع في سوريا، ولأن أعمالها وقراراتها تركت تداعيات سلبية على الأوضاع السياسية والإقتصادية والمعيشية والأمنية في لبنان وعلى الروابط بين مكونات المجتمع وعلى العلاقات مع دول إقليمية وغربية مهمة نتيجة إصرار “حزب الله” على أن يثبت انه يستطيع أن يحكم البلد من غير التوافق مع فريق 14 آذار وأن يختار من يريد رئيساً للحكومة. وبدا واضحاً أن الحزب أخطأ في حساباته عندما أسقط بالتفاهم مع دمشق وطهران حكومة الوحدة الوطنية برئاسة سعد الحريري، خصوصاً انه لم يستطع تغيير موازين القوى والمعادلات السياسية لمصلحته خلال السنتين الأخيرتين”. وأضاف “ان إستقالة الحكومة إنتصار سياسي لفريق 14 آذار لأن “حزب الله” لن يستطيع تأليف الحكومة التي يريدها بعدما تفككت الغالبية النيابية التي نجح في تكوينها بعد إسقاط حكومة الحريري مطلع 2011. ويعتقد الكثير من الديبلوماسيين والسياسيين ان الحزب أراد أن تكون حكومة ميقاتي موقتة ينجز في ظلها قانوناً للإنتخاب يضمن له ولحلفائه الغالبية النيابية من غير الإعتماد على الوسطيين فيحكم البلد حينذاك ويغير مرتكزاته وقواعده وأسسه جذرياً من طريق تعديل إتفاق الطائف والعمل على تكوين نظام سياسي جديد يحقق أهدافه وقد يشمل إلغاء المناصفة وتبني المثالثة. لكن “حزب الله” خسر رهانه”.
ولاحظ المسؤول الأوروبي “ان “حزب الله” قائد فريق 8 آذار هو أساساً حزب مواجهة وليس حزب مصالحة وتوافق مع خصومه السياسيين، وأثبتت التجارب أن الحزب تعاون مع الإستقلاليين في بعض المراحل من أجل محاولة إضعافهم ودفعهم الى القبول بشروطه وليس من أجل الإتفاق معهم على مشروع وطني مشترك يضمن مصالح لبنان واللبنانيين أولاً وليس مصالح جهات إقليمية. ويصعب جداً على الحزب بعد هذا الفشل أن يقدم تنازلات لخصومه من أجل التفاهم معهم على قواعد العمل المشترك، خصوصاً ان الخلافات عميقة جداً بينه وبين الأفرقاء الآخرين في ما يتعلق بمصير سلاح الحزب وبالموقف من نظام الرئيس بشار الأسد ومن خطط إيران وبقانون الإنتخاب وبقضايا مهمة أخرى. والنظام السوري بات مصدر ضعف وليس مصدر قوة للحزب ولحلفائه”.
وخلص المسؤول الأوروبي الى القول: “صحيح ان أحداً لن يستطيع أن يضمن أي شيء في لبنان في المرحلة المقبلة، لكن “حزب الله” تلقى، بعد استقالة حكومته ضد إرادته، ضربة لم يكن يتوقعها وليس ممكناً تجاوزها أو تعويضها من طريق تبني الخيار العسكري – الأمني الذي فشل في سوريا وسيفشل في لبنان. والواقع ان الخيار الأفضل للبنان هو الخيار الأصعب بالنسبة الى “حزب الله” إذ انه يتطلب منه التفاهم مع الإستقلاليين على إعطاء الأولوية لحماية لبنان وإنقاذه من أخطار الحرب المدمرة في سوريا، وتقديم التنازلات الضرورية من أجل تحقيق التوافق الوطني الواسع على القضايا الأساسية الحيوية في البلد وطريقة معالجتها”.