للوهلة الأولى يظنّ المرء أنّه أمام أحد البيانات الوزارية التي شكّلت الأدبيات أعلاه قاعدتها الأساسية، أو أنّ هذه الفقرة تمّ اقتطاعها من تلك البيانات، ولكنّ غياب السجال والنقاش السياسيّين في هذه المسألة الخطيرة حالا دون كشف خباياها لناحية كيفية تضمينها في البيان الختامي، بمعنى هل تمّ تهريبها، أو وضعها عن سابق تصوّر وتصميم؟ وهل تعبّر عن حقيقة الموقف الرسمي، وكيف سمحت السعودية وقطر بتقطيعها؟
وإذا كان لا يجوز الاستهانة بهذا التطوّر الذي دفع الحلفاء العرب الموضوعيّين لقوى 14 آذار إلى الانحياز لأخصامهم على الساحة المحلية وتشريع عربيّاً ما يرفضونه لبنانيّاً، فإنّ السؤال الأساسي الذي تبادَر إلى أذهان المتابعين تمثّل بالآتي: كيف يمكن تفسير التناقض بين موقف الجامعة العربية الداعم للمعارضة السورية ديبلوماسيّاً وسياسيّا وعسكريّا، والهادف إلى إسقاط النظام السوري وإخراج النفوذ الإيراني من سوريا، وبين الموقف العربي الذي يتجاهل ويغضّ النظر عن الدور الإيراني في لبنان؟
وفي الإجابة تبرز وجهات نظر عدّة، هنا أبرزها: أوّلاً، هناك من ذكّر بالمرحلة التي أعقبت اغتيال الشهيد رفيق الحريري، حيث جاء من نصح القوى الاستقلالية بالتسخين مع سوريا والتبريد مع “حزب الله”، على قاعدة أنّ التسخين مع الطرفين يؤدّي إلى تفجير لبنان ويحول دون التحوّل المنشود. ويبدو أنّ هناك من يحاول اليوم إعادة استنساخ هذه القاعدة بالتسخين مع إيران في سوريا والتبريد في لبنان، في محاولة لتجنيب الأخير تداعيات الأزمة السورية، والدعوات المتواصلة للنأي بالنفس تدخل في هذا السياق، فضلاً عن أنّ المرحلة الجديدة التي دخلتها هذه الأزمة مع رفع الحظر عن تسليح المعارضة وتوقّع جولات قتال ستكون الأكثر عنفاً ودموية، ضاعفت المخاوف والهواجس من تفجير لبنان، الأمر الذي دفع القوى العربية إلى “رشوة” إيران لتحييد لبنان بانتظار انتهاء الأزمة السورية.
ثانياً، هناك من اعتبر أنّ ما ورد في بيان القمّة العربية جاء ليؤكّد وجهة نظره القائلة بأنّ العرب في غير وارد التسوية مع إيران على سوريا، فيما التسوية مع طهران على لبنان مرجّحة كي لا نقول حتمية، من زاوية عجز القوى اللبنانية عن نزع سلاح “حزب الله، خلافاً لقدرة المعارضة السورية على الحسم، والعداوة الشخصية مع رأس النظام السوري التي لا تنسحب على “حزب الله”، والنظرة الموضوعية للأمور التي تقول بأنّه لا يمكن إنهاء النفوذ الإيراني على البحر المتوسط، وأيّ محاولة من هذا النوع ستشعل لبنان وتدخله في حرب جديدة أين منها الحرب القديمة، فيما لا يجب التقليل من أهمّية انتزاع الورقة السورية من القبضة الإيرانية بعد انتزاع الورقة الفلسطينية والدخول في حوار عربي-إيراني متكافئ يؤدّي إلى فرملة اندفاعة هذا المشروع في المنطقة، ويفضي إلى تسوية في لبنان تعيد انتظام الحياة السياسية مقابل إبقاء السلاح بيد الحزب.
ثالثاً، هناك من رأى في إدخال هذه الفقرة مجرّد محاولة من الفريق الوسطي للضغط على 14 آذار عربيّاً بغية تليين موقفها للمساكنة مع “حزب الله”، وبالتالي المشاركة في حكومة إنقاذية مهمّتها امتصاص الاحتقان وتمرير المرحلة بأقلّ الخسائر الممكنة من منطلق أنّ المساكنة تبقى أفضل مئة مرّة من الفراغ، وأن لا شيء يحول دون تكرار تسويتي الدوحة والرباعي. ويذكّر أصحاب هذا الرأي بالرسالة الملكية السعودية التي جعلت بعض مكوّنات 14 آذار تعيد النظر بموقفها من الحوار الذي عاد وتوقّف بعد اغتيال الشهيد وسام الحسن.
ويبقى أنّه بمعزل عن وجهات النظر الثلاث، كان بالإمكان الاكتفاء في البيان الختامي بدعم “حقّ لبنان باسترجاع أرضه بكافّة الوسائل المتاحة” من دون تبنّي ثلاثية “الحكومة والشعب والمقاومة” والتي مجرّد تبنّيها يفتح الباب أمام سيل من التكهّنات المشروعة ويؤدّي إلى إضعاف موقف 14 آذار التفاوضي في مرحلة انتقالية صعبة ومعقّدة وعشية استشارات تكليف وتأليف.
