وقد عرف القانون الدستوري والسياسي الكلاسيكي أشكالاً متعدّدة، منها حكومة رجال الأعمال Cabinet d’affaires التي تبرز في الأزمات السياسية، وهذا ما حدث مع الرئيس صائب سلام عندما استحال عليه تأمين حكومة تتمثّل فيها الفئات البرلمانية المختلفة، فجَنَح إلى تأليف وزارة اختار أعضاءَها على الأساس الطائفي من بعض رجال المهن الحرّة، فسمّيت هذه الحكومة “وزارة الشباب”.
ربّما هذا أفضل ما يمكن أن يُشكّل في لبنان اليوم بغية إجراء الانتخابات، لتحكم عندها الأكثرية التي تفرزها هذه الانتخابات. كما يمكن تشكيل حكومة تجمع بين الأحزاب المتقاربةCabinet de concentration كما حصل مع حكومة الرئيس De Gaulle الأولى في العام 1946 عندما ضمّ إليها ثلاثة وزراء من الحزب الشيوعي، ثمّ جرى إقصاؤهم عن الحكم في السنة التالية، وهذه التجربة غير مستحَبّة في لبنان بسبب احتمال تعارض الرؤية السياسية بين هذه القوى بما يمنع الانسجام الحكومي.
كما يمكن تشكيل حكومة ائتلافية Cabinet d’union تنضمّ إليها الأحزاب القوية على اختلاف برامجها السياسية، لكنّ المشكلة فيها تبقى في الاتّفاق على وحدة البيان الوزاري وإيجاد التجانس بينها، وهذا غير ممكن اليوم حسب ما دلّت عليه التجربة أخيراً مع حكومة الرئيس فؤاد السنيورة وحكومة الرئيس سعد الحريري.
كما يمكن تشكيل “حكومة اتّحاد وطني Cabinet d’Union Nationale” وهي تشكَّل في الملمّات القومية من وزراء تختارهم جميع الأحزاب الممثلة في المجلس النيابي، كما حدث عندما شُكّلت حكومة الرئيس Georges Clemenceau خلال الحرب العالمية الأولى، وإذا كان لبنان اليوم ليس في حال حرب، فإنّ هناك بوادر حرب أهلية قد ينجح الخارج القريب والبعيد في إشعال فتيلها.
كما يمكن تشكيل حكومة الشخصيات Cabinet de personnalités التي تختارها الأكثرية النيابية من المجلس أو من خارجه، وهذا الخيار من الصعب الركون إليه حاليّاً، لأنّ هذه التجربة في لبنان وُصفت بطريقة التهكّم على أنّها حكومات “الجبابرة” لا سيّما في عهد الرئيسين بشارة الخوري وكميل شمعون، في حين أنّ الواقع السياسي الحالي مختلف تماماً، وأنّ هذا النوع من الحكومات اليوم يجعل من هذه الشخصيات الحكومية بعيدةً عن الواقع الشعبي.
كما يمكن تشكيل حكومة تكنوقراط Cabinet des Technocrates وهي الحكومة الأقرب أيضاً إلى الواقع اللبناني الحالي، وهذا الأسلوب معتمد كثيراً على صعيد حكومات العالم، بسبب قدرة المتخصّصين على تفعيل الإنتاج الحكوميّ من جهة، وبسبب ضرورة وجود مَن هو قادر من جهة أخرى على إجراء الانتخابات النيابية بأعلى درجة من الحياد المطلوب ومواكبة حاجات اللبنانيين الاقتصادية والاجتماعية.
فإذا اتّفقت القوى السياسية في المجلس النيابي يمكن عندها تشكيل حكومة تكنوقراط تضمّ في صفوفها نُخباً وطاقات تكون على مسافة واحدة من كلّ القوى السياسية، وغير مرشّحة للانتخابات النيابية، وتمارس حيادها في تولّي المسؤولية العامّة بغَضّ النظر عن انتمائها أو تأييدها لأيّ من القوى السياسية.
فإذا وافقت القوى السياسية، في هذا الواقع السياسيّ المتأزّم، على حكومة مماثلة، عندها يمكن القول إنّ الانتخابات ستكون في منأى عن تأثير القوى السياسية الحاكمة، لأنّه بخلاف ذلك، ستتّهم كلّ جهة سياسية الجهة الأخرى بأنّها تتدخّل وتحاول التأثير في مجرى الانتخابات النيابية، وهذا ما يشكّل أفضل الحلول لإجراء الانتخابات، من ثمّ تشكّل الحكومة من الأكثرية المنبثقة عن هذه الانتخابات تطبيقاً لأهمّ قواعد النظام البرلماني الذي يعني حكم الأكثرية، فلا تشكّل حكومة تكون بعض قواها السياسية الداعمة لها مرغمة على التحالف مع كتل أخرى، بل تكون القوى متجانسة وتنتمي إلى رؤية سياسية واحدة.
لذا فإنّ حكومة تكنوقراط مؤلّفة من متخصّصين وحياديّين هي الطرح الأمثل إلى الواقع اللبناني الحاضر، وإذا عجزت القوى اللبنانية عن تأليف حكومة لإجراء الانتخابات يكون البعض منّا عازماً على إيصال البلاد إلى حال من الفراغ في المؤسّسات الدستورية والعسكرية والإدارية والقضائية أملاً في انهيارها لتسهيل الانقضاض عليها لاحقاً، أو إبقائها مرتهنةً خدمةً لمشاريعه السياسية التي تمتدّ إلى خارج الحدود، مشاريع يعجز الجسم اللبناني عن استيعابها.
أمّا إذا دخل لبنان في حال من الفراغ كما حصل يوم شغرت سدّة الرئاسة من شاغل لها، فهذا الفراغ انتهى في السابع من أيّار، فأيّ سابع من أيّار ينتظر لبنان في حال الفراغ المحتمل؟.