رحم الله الحاج حسين العويني، صاحب مقولة “الحق عالطليان” في ستينات القرن الماضي، فقد أسس من دون أن يريد، أو يدري، مدرسة في السياسة والاعلام اللبنانيين بات ورثته في هذين الحقلين يعتمدونها في القرن الحادي والعشرين الحالي بكفاءة منقطعة النظير.
لكن الجديد في هذه المرحلة هو بعض التعديل الذي لا يغير في الأمر، ولا في محتوى الدرس، شيئا. فبدلا من “الحق عالطليان”، يستخدم خريجو المدرسة الجدد مقولة “الحق عالأميركان”، ولكن مع بعض الاضافات لزوم ما لا يلزم من وجهة نظرهم، مثل اسرائيل والصهيونية العالمية والغرب عامة…وفي المدة الأخيرة، الدول الخليجية وتركيا وربما غيرها في أي يوم عند الحاجة.
مناسبة الكلام ما حفلت به تصريحات هؤلاء، وتقارير صحفهم وأجهزة اعلامهم المرئية والمسموعة، من “تحليلات” لأسباب وخلفيات الاستقالة التي قدمها الرئيس نجيب ميقاتي، وفي ضوء ذلك من استشراف لما سيكون عليه حال لبنان في المستقبل.
والمفارقة أن أحدا من هؤلاء، الا من ارتأى ربما مؤقتا أو لأسبابه الخاصة أن يلوذ بالصمت، لم يشذ عن “القاعدة” أو يخرج على الصف، فبدوا في مواقفهم وتحليلات اعلامهم وكأنهم جوقة تتقن الدرس جيدا من ناحية ويقودها استاذ واحد يجيد أداء الدور من ناحية ثانية.
عينة صغيرة مما قيل في خلال ساعات فقط تكفي لتبيان الصورة:
في مقدمة احدى الصحف لخبر الاستقالة، انه “بعدما بدّلت الأزمة السورية موازين القوى التي أدّت إلى إخراج الرئيس سعد الحريري من السلطة، نفّذت الولايات المتحدة الأميركية والسعودية هجوماً مضاداً أدى إلى إسقاط الحكومة التي تسميانها “حكومة حزب الله”.
وفي تصريح لأحدهم، انه قبل تقديم الاستقالة “كانت الرسائل الأميركية تتوالى. السفيرة مورا كونيلي كانت تجول على المسؤولين، وخاصة بعد اتهام بلغاريا ل”حزب الله” بالضلوع في تفجير بورغاس، قائلة إن على الحزب الخروج من الحكومة. وكانت الرسالة اكثر وضوحاً في زيارة نائب مساعد وزير الخارجية الأميركية لورانس سيلفرمان إلى بيروت: الانتخابات في موعدها، وحزب الله خارج الحكومة.
وحول الموقف من التمديد للمدير العام لقوى الأمن الداخلي اللواء أشرف ريفي، قال أحد الوزراء في الحكومة إن قرار ميقاتي “مبنيّ على التزام لبندر بن سلطان بإبقاء ريفي في موقعه”.
وفي مقال لأحد الكتاب، انه قبل ان يسافر “الرجل الطيب” (المقصود ميقاتي) إلى الفاتيكان، كانت كل المؤشرات حول ما حُكي عن حصار “حزب الله”، قد ظهرت. فالأمين العام لمجلس التعاون الخليجي كان قد أبلغ بيروت، في 5 آذار، فرمان “ديمقراطياته العظمى”، بأن على لبنان أن يُخرج الحزب من مكان من اثنين: إما من سوريا وإما من الحكومة. وكان اتهام حزب الله بتفجير بلغاريا قد حصل. وكانت الإدانة في ملف قبرص قد صدرت أيضاً. وكان أوباما قد أفتى من “ديمقراطية اسرائيل النابضة”، كما وصفها، بأبلسة “حزب الله”…
ولا يقف الكاتب هنا، بل ينقل عن “قطب” سياسي انه “فجأة، لفظت واشنطن كلمة السر التنويمية. إذ لم تكد طائرة ميقاتي تحط في مطار دا فينتشي، حتى كانت الأخبار تصل سريعة من جرود عرسال إلى الخارجية الأميركية في فوغي بوتوم في واشنطن: غارة سورية على ذلك الثغر الاستراتيجي والحيوي بالنسبة إلى كل ابناء العام سام”.
كلمة واحدة تقال تعليقا على هذه المدرسة في السياسة والاعلام، هي السؤال: الى أي حد، بحسب هؤلاء، تشكل استقالة الحكومة “مؤامرة كونية” أخرى، وربما المؤامرة ذاتها التي تحدث عنها حليفهم الأثير، نظام بشار الأسد في سوريا، ولكن ضد “حزب الله” وحكومته في لبنان هذه المرة… بل والى أي حد تصلح هذه المواقف للمساهمة في بناء بلد عانى ويعاني مشكلات كبرى في حياته السياسية والاقتصادية والاجتماعية وحتى الاخلاقية؟!.
الواقع أن هذه المدرسة في السياسة وفي البروباغندا الاعلامية ليست جديدة على لبنان ولا على غيره من دول المنطقة، الا أن ما يميزها في الفترة الحالية أنها باتت من طهران الى دمشق الى بيروت تحديدا أشبه بايديولوجية فكرية لا يحيد أصحابها عنها، ودائما ما يلجأون اليها للهروب من الاجابة على الأسئلة التي ترتفع في وجوههم.
وهكذا هي “المؤامرة” التي حالت دون نجاح الانقلاب على حكومة الرئيس سعد الحريري وتشكيل الحكومة الحالية. وهي السبب في الفتنة المذهبية والحرب الأهلية التي تهدد لبنان الآن أكثر من أي يوم آخر. وهي وراء المأزق الاقتصادي الاجتماعي الكبير الذي يعيشه اللبنانيون حاليا… حتى أنها هي أيضا وراء قيام “الحكومات” المتناحرة داخل الحكومة، وسبب موقف وزير الخارجية المشبوه في مجلس الجامعة العربية ورفض وزير الاتصالات تنفيذ قرار حكومته تسليم الداتا للأجهزة الأمنية الخ..
كان يقال في الماضي انها “المؤامرة الغربية” أو “الامبريالية” أو “الصهيونية العالمية”، لكن لا اسم يصلح لها الآن الا أنها التخلف بعينه بعد أن انكشفت اللعبة وأهدافها أمام الرأي العام.
رحم الله الحاج حسين العويني، فقد كان يردد مقولة “الحق عالطليان” على مسامع الناس ويضحك. أما هؤلاء فانهم يرددون لازمتهم هذه، ثم يرفعون أصابعهم باتجاه واشنطن… ودائما باتجاه شركائهم في الوطن.