لم يجتمع بالأمس مئات الضباط من قوى الأمن الداخلي والأمن العام والأجهزة الأمنية الأخرى ليودعوا اللواء أشرف ريفي، إنما إجتمعوا ليكرموا قائداً إستثنائياً في زمن إستثنائي، قائداً أعطى من قلبه وعقله أكثر سنوات حياته لوطن يستحق كلّ العطاء، وتهون في سبيله كل التضحيات.
اللواء ريفي الذي سلّم الأمانة مطمئناً الى مؤسسة إنتقلت في عهده من حال الى حال بعرق رجالها ودماء شهدائها الكبار، لم يسلّم تلك الأمانة الغالية ويغادر الى التقاعد، لأن أمثاله من القادة لا يتقاعدون ولا ينكفئون ولا يتراجعون حتى أنهم لا يستريحون، هذا الفارس الذي أودع الشعلة لمن هم أهلها لا يغادر الميدان ولا يذهب الى إستراحة المحارب، إنما طوى صفحة يربو عمرها على الأربعين عاماً من العطاء الأمني، ليفتح صفحة جديدة على العطاء الوطني حيث الفضاء الأرحب، وحيث يناديه الواجب ويحتاجه الوطن بقدر ما يحتاجه كل مواطن لبناني عرف لهذا الرجل قدره ومكانته، وكان على قدر الرهان.
من المؤكد أن بضعة سطور لا تفي “أبا أحمد” حقه، ولا حتى الصفحات مهما إتسعت، فعطاءات رجل من هذا الطراز لا تحدها الكلمات ولا تحويها المقالات، ولا تقارب هامته العبارات، فهو الذي تلقف المسؤولية ليس في الوقت الصعب إنما في الزمن الأصعب، وإنبرى لتولي المهمات على جسامتها، في الزمن الذي تقارع فيه الكلمة بالرصاص، والحجة بالعبوات الناسفة، والمنطق بالإغتيال، هو الذي كان على رأس المهددين والمطلوبين لتجار الموت ولأصحاب النفوس المريضة ولأعداء النجاح ولمن هم نقيض الوطن والمؤسسات، وإن إرتدى البعض منهم عباءة الإصلاح الفضفاضة، وتنكب البعض الآخر سيف الممانعة، في وقت كانت معاولهم تعمل على هدم بنيان الدولة لحساب المشاريع المشبوهة في الداخل والخارج.
لا شكّ أن الفرح يغمر الآن أصحاب المصالح وتجار المواقف لرؤية أشرف ريفي يترك المؤسسة التي أحبّ وأعطاها أغلى ما يملك، بعدما عجزوا عن إقالته من منصبة في السنوات الماضية رغم صراخهم، وعجزوا عن لي ذراعه رغم تهديده بـ”التفحّم” على غرار ما فعلوا مع وسام الحسن، لكن هؤلاء قلّة قليلة، بينما أكثرية اللبنانيين هم من الشرفاء والأوفياء حقاً الذين يعرفون قدر هذا القائد البطل، وهذه القامة الشامخة التي لا تعرف الإستكانة ولا ترضى القعود، هؤلاء يدركون أن ميادين العمل الوطني تنتظر أشرف ريفي في كل محطة، هي تحتاج اليه كما كان في الأمن في السياسة وفي الإقتصاد والإجتماع والخدمات، وغيرها من الحقول التي لن ينكفيء عن خوض غمارها والنجاح فيها عندما يدعوه الواجب.
من كان يصغي بالأمس الى كلمة اللواء ريفي وهو يمرّ مرور الكرام على ما حققته قوى الأمن في عهده من إنجازات، يدرك أن ما ذكره هو غيض من فيض، وجزء من كل كان له ولرفيقه اللواء الشهيد وسام الحسن والرائد الشهيد وسام عيد الفضل في تجنيب لبنان الكثير من المآسي والويلات، هذه الإنجازات التي بدأت مع تفكيك خيوط أساسية في جريمة إغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري الى تفكيك شبكات الإرهاب التي نالت من الجيش ومن المدنيين الأبرياء، مروراً بشبكات التجسس الإسرائيلية وأخيراً وليس آخراً شبكة الإرهاب السورية المتمثلة بثنائية سماحة ـ المملوك، ليست الا عينة مما يحويه سجلّه الحافل، ولعلّ هذه الإنجازات كفيلة لفهم مدى الحقد الذي يأكل أحشاء الذين حاربوا ريفي منذ تبوّأ هذا المنصب حتى الساعة الأخيرة من مهمته.
تستحق العبارة التي نقلت أول من أمس عن اللواء ريفي، التوقف عندها لاعلانه فيها للمرة الأولى أن “قوى الأمن وشعبة المعلومات، كشفت 15 شبكة تجسس إسرائيلية داخل صفوف الجيش السوري”: وأردف قائلاً “إن ما يجري في سوريا هو عدالة ربانية”. هذا الكلام البالغ الدلالة، يؤشر الى أن مدعي العروبة والقومية والممانعة كانوا منخوري العظم إسرائيلياً، والمفارقة أن من عمل على تنظيف الجيش السوري من العملاء، كوفئ بالإغتيال، تماماً كما كوفئ الرئيس الشهيد رفيق الحريري الذي فتح ابواب العالم أمام سوريا، بجريمة حاقدة يصعب وصفها أو تصنيفها، لكن هذه الجريمة على هولها وفظاعتها كانت الشرارة التي أشعلت الثورة في لبنان، ومنه إمتدت الى أنظمة الطغيان والإستبداد.
أشرف ريفي.. لأمثالك لا يقال وداعاً، بل يقال لهم الى اللقاء في كل الميادين والمواقع والمناصب.. من هم مثالك ومن جلدتك وبوطنيتك وإخلاصك يحتاج لبنان، ويحتاجه مستقبل الوطن الواعد الذي سينهض بهم وبسواعدهم.. أبا أحمد: نحن ننتظرك في الغد القريب المشرق، في قلب بيروت التي أحببت، وفي طرابلس الأبية التي أخلصت، كما في قلب الجبل والجنوب والبقاع، وفي كل بقعة تركت فيها بصماتك التي لا تمحى من وجدان الأوفياء.