نسمع في هذه الأيّام ، ومن على الشاشات الصفراء ، لغة تنأى عنها القرائح السوداء ، ومن أفواه هي أسطع ما يبرهن على الإنحطاط المتفرّس في نفوس منحنية مريضة تمتصّ لونها رقع الذلّ ، فكأنّها رفش حفّارٍ يواري في الثّرى آخر ما بقي من آثار الكرامة في وطن ساقه بعض أهليه الى الذّبح على حدّ سيوف حروفهم.
هم نماذج عن كائنات ، يبدون في الشكّل بشريّين ، يبتدعون حوادث يستقونها من مخيّلات عفنة ، تشبه أحلام الأرامل، وهي تأكيد دامغ على استفاقة سفاهة الخلق الغافية في نفوس دنسة ، ما يستوجب ، على الأقلّ ، وِقفةً تلسع أكثر من سياط التقريع .
طموح الكثيرين من حديثي الطّراز في تعاطي السياسة عندنا هو أن يذكرهم التاريخ كأبطال لشعب . ولمّا لم تمكّنهم قاماتهم من بلوغ المقام ، تضاعف حقدهم الصّابر وسارعت جوّانيّتهم الأمّارة بالسوء الى رشق المدى بالحصى ، فاحتفوا بنصرهم المغشوش وكأنّهم حقّقوا وعداً خائباً ، أو حاولوا تصحيح وجههم المشبع بالقبح .
لقد شهر ” الإخشيديّون ” مشقوقو الشّفة السفلى سلاح الذمّ الوثيق الصّلة بجبلتهم ، هم الذين لم يرثوا مجداً أو كرامة ، في وجه مرجعيّات كريمة ، ونقلوا ما اعتادوا هم عليه من إهراق ماء وجوههم على أعتاب آمريهم ، ومن التمرّغ على أرجل صانعيهم الممسكين بآذانهم الدّامية ، نقلوه الى من حملوا همّ الوطن بنقاء،
والذين لم يُتعِب أجسادهم إلاّ مطالب أنفسهم التوّاقة الى فكّ زَرَد الإنسحاق التي قُيِّد بها الوطن ، ليعبر
الى فسحات الحقّ والحريّة . ولمّا لم يستطع أولئك الآدميّون الذين يحاولون قشر سواد نيّاتهم ، أن يخمشوا تمرّد الكبار وفروسيّة أخلاقهم وإباء وطنيّتهم ، ارتدّت عليهم الشوّهات فلاذوا بالإنكسار والأسف .
أمّا الإرتجال في التعرّض للكبار ، فهو عصيان سقيم لقيم الرّجولة ، وكفر سفيه بمزايا النبل ، وكذبة بلقاء تستجدي انفعال الضعفاء . فالكبير هو المتنكّر لبهارج الدنيا ، الزّاهد بالتّصفيق ، هو البحر الذي وقف الصّالحون بساحله ، ولم يعكّر قدميه قليلو العقل والدّين . هو الذي ارتقت معه الإستقامة الى مصاف الطّهر، فما عاد يبالي بطعن أو تشفٍ ولا يأبه لمدح أو ثناء .
لقد استرسل حاملو الألقاب من سادة الشتم على الشّاشات في ظهوراتهم وحَلقات بطولاتهم ، ووصلوا بحَنَقهم حدّ نضوب الدمّ من وجوههم ، فكأنّهم يواجهون فرساناً في ساح القتال ويريدون أن يعاجلوهم بطعنات قاتلة ، كلّ ذلك لحماية قضيّة ممانعة كاذبة يدّعون أنّها حقيقة وطنيّة ، والحقيقة منها براء . والأدهى أنّ أسلوبهم التنكيلي في التّعاطي مع خصومهم يشكّل وثيقة للحال المتدنّية والملتصقة بالوطن ، فبات مشهد الوطن بهم مهشّم الظّلال باهت القيمة . وكلّما ” طلع ” احدهم على شاشة ، تحسب أنّ الشيطان يعظ وينطق بالأحكام .
أيّها الدجّالين، أكثر ما نتمنّى هو أن يركّب كلٌ منكم رقبة طويلة أو سمّاعات عالية النّبرة ، فربّما تعدلون
عن ترّهاتكم وتشطّون عن موبقات خُطَبكم وندواتكم . ولن نطلب سوى أن يقذف الله في صدوركم نوراً يهديكم الى الصّالحات ، كي لا يصحّ فيكم ما رواه البخاريّ عن أنف الشيطان عن واحدهم ، بقوله : ” ما لقيه الشيطان سالكاً فجّاً ، إلاّ سلك فجّاً غير فجّه ” .
