استراح البلد في عطلة الفصح المجيد، من صخب السياسيين، وسجالاتهم المحتدمة حول هوية الحكومة العتيدة وقانون الانتخابات، ولسان حال اللبنانيين يتمنى لو أن عطلة السياسة والسياسيين، تطول وتطول… حتى يستطيع النّاس أن يرتاحوا من خلافات السياسة، ومناورات السياسيين!
ولم يعد مستغرباً القول بأن اللبنانيين في وادٍ، وأهل السياسة في واد آخر، وتُباعد بينهما مجموعة من القمم والأودية، بعدما تكاثرت الأزمات والمشاكل على كاهل اللبناني، وعجز السياسيون عن إيجاد الحلول المناسبة لها، واختلف سلّم الأولويات عند النّاس، في حين بقيت الحسابات الأنانية والفئوية، والمصالح الشخصية، على رأس قائمة الأولويات المطلقة عند الساسة!
ولعل هذا الواقع المرير الذي يحيط بالعلاقة الملتبسة بين المواطن والسياسي في لبنان، هو وراء هذه اللامبالاة التي يظهرها اللبنانيون، على اختلاف ميولهم السياسية، من النقاش الدائر حول الحكومة العتيدة، ومواعيد الانتخابات النيابية، على اعتبار أن لا الحكومة الجديدة سترفع «الزير من البير»، على حدّ المثل المعروف، ولا الانتخابات النيابية ستُغيّر من تردي الأحوال شيئاً، إذا لم تشكّل سبباً لمزيد من الانقسامات، ولتدهور العلاقات حتى بين أبناء الجبهة الواحدة!
لقد أدّت الصدمات المتتالية، إلى سلسلة من الخيبات المتزايدة في نفوس اللبنانيين، الذين دفعوا، وما زالوا يدفعون غالياً، أثمان الخلافات الداخلية، وما يحرّكها من تدخلات خارجية، لدرجة أن الأكثرية الساحقة فقدت الأمل، بقدرة الطبقة السياسية الحالية، على مغادرة خنادق الانقسامات الحادّة، والبحث عن حلول تجمع كل الأطراف الأساسية، في منتصف الطريق، بعيداً عن شعارات التحدي من جهة، وبمنأى عن أساليب المزايدة من جهة أخرى.
لذلك، فان اهتمام اللبناني، المقيم في الداخل، كما المنتشر في الخارج، يتركز على حكومة قادرة على التخفيف من معاناته المعيشية والأمنية، ويطمح لانتخابات تُنتج أجيالاً جديدة من السياسيين الذين يؤمنون بالحوار سبيلاً لمعالجة الأزمات، المزمن منها والطارئ، من دون الاستعانة بضغوط الترهيب والترغيب، ومن دون اللجوء إلى حملات التخوين!
لقد تبين للبنانيين أن تجربة حكومة «اللون الواحد» المستقيلة لم تكن ناجحة، بل زادت الأوضاع توتراً، ودفعت بالأزمة المعيشية والمطالب القطاعية إلى الشارع، في حركة غير مسبوقة بلغت ذروتها في حراك هيئة التنسيق النقابية.
كما أن اتباع سياسة الإقصاء لجبهة سياسية عريضة، بحجم قوى 14 آذار، بحجة فشل حكومات الوحدة الوطنية، ضاعفت من مناخ الشحن والتوتر في الشارع من جهة، ولم تحقق في الوقت نفسه الانتاجية المقبولة من حكومة ضربت المصالح المتناقضة، والتهافت على المغانم قدرتها على العمل والإنجاز منذ الأسابيع الأولى لتشكيلها.
والأداء السياسي لم يكن أحسن حالاً من الأداء الاجتماعي والاقتصادي، وبقي رئيس الحكومة المستقيلة يحارب حتى اللحظة الأخيرة، لتثبيت سياسة النأي بالنفس عن الأزمة السورية، في حين كانت معظم المكونات الأخرى، وخاصة «حزب الله» والتيار العوني، غارقة حتى أذنيها في وحول المسألة السورية.
اللبنانيون ليسوا من هواة التطلع دائماً إلى الوراء!
ولعل التجارب المريرة علّمت الجميع، على كيفية طي الصفحات السوداء، والالتفات دائماً إلى الصفحات الجديدة، الناصعة البياض.
ولو سئل أي لبناني عشية بدء استشارات التكليف، عن المواصفات المفضلة للحكومة العتيدة، ومزايا رئيسها؟ لأجاب الجميع بعفوية وبساطة:
نريد حكومة منسجمة قادرة على العمل والإنتاج والإنجاز، بعيداً عن الحرتقات الممجوجة، وعن الصفقات المشبوهة، والقرارات الملغومة.
نريد رئيس حكومة يحظى بشبه إجماع من أهل السياسة، كما من اللبنانيين، ويكون طامحاً لتحقيق آمال اللبنانيين وتطلعاتهم، في تحسين الوضع الاقتصادي، وفي استعادة الثقة بالوضع المالي، وفي تنقية العلاقات مع الأشقاء العرب، والسعي لإعادة تنشيط الحركة الاقتصادية والسياحية، خاصة مع دول مجلس التعاون الخليجي، والحفاظ على مكانة لبنان وسمعته الدولية، من خلال تأكيد الالتزام بقرارات المجتمع الدولي.
ومن حق اللبنانيين أن يرفعوا الصوت عالياً ويصرخوا في وجوه السياسيين:
كفى انقسامات… كفى خلافات… كفى مناورات… كفى اللعب على الأوتار المذهبية والمناطقية سعياً لمصالح حزبية وسياسية وفئوية ضيقة… وكفى متاجرة بالشعارات الطائفية التي تكاد تدمّر وحدة البلد، وتقضي على العيش المشترك.
تُرى… هل الصرخة العالية وحدها تكفي، أم أن الغضب يجب أن يُترجم في صناديق الاقتراع؟