المصالحة التّركيّة – الإسرائيليّة: نصرٌ ثلاثيّ

حفِلت الجولة الشّرق أوسطيّة الأخيرة للرئيس الأميركي، باراك أوباما، بالمواقف والحوادث: تأكيد حلّ الدّولتين بين إسرائيل وفلسطين، تقديم المساعدات الماليّة إلى الأردن، وحدث الزّيارة الأساس: الإعلان عن المصالحة بين تركيا وإسرائيل؛ مصالحةٌ أنهت ثلاث سنوات طوال من تجميد العلاقات بين الدّولتين.

فمع بدء العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة عام 2006، بدا أن السّياسة التّركيّة القديمة التي اعتمدتها تجاه القضيّة الفلسطينيّة قد انتهت، فلا مواقف مؤيّدة لإسرائيل على حساب العرب بعد اليوم. من حينها، انتهج الحكم في تركيا موقفاً متشدّداً من العدوان، مما أدّى إلى تحسّن العلاقات بين تركيا والعرب، مقابل اهتزازها بين تركيا وإسرائيل.

تبع اهتزاز العلاقات الثنائيّة تجميداً لها منذ أيار عام 2010، وذلك بعد أن اعتدت إسرائيل على سفينة “مافي مرمرة” التركيّة، التي كانت تقلّ ناشطين يحاولون خرق الحصار على غزة. نتج عن هذا الاعتداء مقتل 9 مدنيين أتراك، وإعلان تركيا تجميد علاقاتها العسكريّة مع إسرائيل، كما تخفيف التّمثيل الدّبلوماسي بينهما، وذلك على أثر رفض الأخيرة “الإذعان” للشروط التركيّة الثلاثة: اعتذارٌ رسميٌّ، تعويضٌ على أهالي الضحايا، ورفعٌ للحصار الإسرائيلي عن غزة.

ثلاثة بياناتٍ رسميّةٍ، أميركيّةٍ، تركيّةٍ وإسرائيليّةٍ، أعلنت كيف تمّت المصالحة في 22 آذار الماضي. طلبٌ أميركيّ من رئيس الحكومة الإسرائيليّة، بنيامين نتانياهو، الاتّصال هاتفياً بنظيره التّركي، رجب طيب أردوغان، والاعتذار. لبّى نتانياهو طلب أوباما، فقبِل أردوغان اعتذاره، بعدما تعهّد الطّرف الإسرائيليّ بدفع التّعويضات للمتضرّرين من الاعتداء على سفينة “مافي مرمرة”. أمّا موضوع رفع الحصار عن غزة فـ”تعهّد” الإسرائيليون تخفيفه لا إلغاءه.

مهما يكن شكل التّوصل للمصالحة بين إسرائيل وتركيا، إلّا أنّ هذا الحدث يمثّل انتصاراً دبلوماسياً لسّياسة أميركا الشرق أوسطيّة. وذلك بعد أن عرّضت الأزمة السّوريّة مكانتها وتأثيرها في الشّرق إلى الاهتزاز. فالحوادث الأخيرة أثبتت أنّ أميركا لم تعد الآمر النّاهي في كل أزمات العالم، لأنّ العودة الرّوسيّة إلى السّاحة الدّوليّة، ووقوفها طرفاً حاسماً في الأزمة السّوريّة، لا شكّ أنّها أثّرت على مدى إمكان اعتبار أميركا اللاعب الدّولي شّبه الوحيد في الشّرق الأوسط. على هذا الأساس، فإن قيام الولايات المتحدة الأميركيّة بإعادة الأمور إلى نصابها بين حليفتيّها هو انتصارٌ يعيد لها بعضاً من هيبتها، في مواجهة التّقارب الرّوسي – الإيراني في قضايا الشّرق الأوسط.

أمّا إثبات التّأثير الأميركي على المصالحة فلم يعد صعباً بعد كلام وزير الخارجيّة التركي، أحمد داوود أوغلو، في 28 آذار، حول خلفياتها، قائلاً: “إنّ الحديث الجديّ حولها بدأ مع زيارة وزير الخارجيّة الأميركي، جون كيري، إلى تركيا الشهر الماضي. هذه الزّيارة أنتجت فتح مفاوضات غير مباشرة، عبر واشنطن، أدت إلى الاعتذار… ولم تكن زيارة أوباما سوى الفرصة المناسبة للإعلان عن التّوصل للمصالحة”.

إسرائيليّاً، وتهدئةً لخواطر اليمين المنتقد للاعتذار، أعلن نتانياهو أنه أقدم على خطوة المصالحة مع تركيا خشية امتداد النزاع السّوري إلى حدود البلاد الشماليّة. لم يتفاجأ الإسرائيليون من هذا المبرّر، فلا أحد منهم توقع أن يعترف رئيس حكومتهم بأن توقيت المصالحة أتى بعد التخلّص من وزير الخارجيّة الإسرائيليّة المتشدّد، أفيغدور ليبرمان، من الحكومة الإسرائيليّة الجديدة.

للمصالحة فوائد أخرى لم يعلن عنها نتانياهو، إذ أن علاقات الحدّ الأدنى بين إسرائيل واللّاعبين الجدد في الشّرق الأوسط، لن تتحقّق من دون وساطة تركيّة أو قبولٍ منها، فعلاقة تركيا مع القوى الإسلاميّة في مصر وسوريا جدّ ممتازة.  كذلك فإنّ إمكان قيام حلفٍ “سنيّ” بين مصر، وتركيا، والسّعودية، والقوى السّوريّة سيضرّ بمصالح إسرائيل على المدى البعيد. هذه الأخيرة تفضّل اقتراب تركيا إليها أكثر من اقترابها من هذه الدّول. أمّا عسكريّاً، فسينتج عن المصالحة، بعد حين، إزالة تركيا للعوائق التي تضعها أمام التّعاون العسكريّ بين حلف شمال الأطلسي (الناتو) وإسرائيل.

أمّا تركيّاً، وعدى عن اعتزاز حكّامها الهستيريّ بـ “إجبار” إسرائيل على الاعتذار، فإن ثمن المصالحة سيكون تحقيق هدف تركيا بإدخالها طرفاً مفاوضاً أساسيّاً في مسار التّسويّة ومحادثات السّلام بين الفلسطينيين وإسرائيل. هذا الهدف كان ألمح إليه أردوغان بعد الإعلان عن المصالحة مباشرةَ، تبعه إعلان آخر، حول نيّته زيارة الأراضي الفلسطينيّة في أواخر شهر نيسان الحالي.

من ناحيةٍ أخرى، تحقق المصالحة لتركيا إعادة التّعاون الإستخباراتي مع إسرائيل، ما يؤمّن لها معلوماتٍ قيّمة حول مواقع الأسلحة الكيميائيّة السوريّة، فيقل بالتالي اعتمادها على حلف شمال الأطلسي ومنظوماته الدّفاعيّة، في مواجهة أيّ اعتداءٍ سوريّ مستقبليّ محتمل. كذلك يفتح ترميم العلاقات التّركيّة – الإسرائيليّة باب حقول الغاز الإسرائيليّة الحديثة للاستيراد التّركي، فتخفّف من اعتمادها المتزايد على الغاز الإيراني والرّوسي- المُكلِف من ناحيّة النقل وذات النوعيّة الرديئة – في أسواقها الدّاخليّة واستهلاكها المحلّي.

حقّقت الولايات المتحدة الأميركيّة، بشكلٍ عام، نصراً دبلوماسيّاً من خلال جمعها لأقرب حلفائها في الشّرق الأوسط معاً. وخطت إسرائيل خطوة نحو إعادة العلاقات إلى طبيعتها مع “حليفتها” الوحيدة في المنطقة. أمّا تركيا، فحقّقت تقدّماً نحو دخولها طرفاً أساسيّاً في محادثات حلّ النّزاع الفلسطيني – الإسرائيلي. وزادت على قوّتها الإقليميّة ملفاًّ آخر أصبحت لاعباً أساسيّاً فيه، مضيفةً إلى جعبتها قضيّة أخرى على القضايا والمسائل التي هي أصلاً جزءٌ أساسيٌ منها: المسألة الكرديّة، مسألة الصعود الإسلامي، القضيّة القبرصيّة، الأزمة السّوريّة، أزمة المياه ومسألة الأمن في الشّرق الأوسط.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل