تَكَادُ ظَاهِرَةُ الخَطفِ أَنْ تَصِيرَ مُوضَةً في لُبنَانَ على غِرَارِ مُوضَةِ إِحرَاقِ الدَّوَالِيبِ وَقَطعِ الطُّرُقَاتِ التي استَفحَلَتْ لأَشهُرٍ خَلَتْ، فَصَارَ كُلُّ صَاحِبِ مَطلَبٍ يَقطَعُ الطَّريقَ احتِجَاجَاً أَو لَفْتَاً لانتِبَاهٍ حَولَ قَضِيَّةٍ يَعتَبِرُها أَهَمَّ مَنِ الأَمنِ القَومِيِّ ومِنْ مَصَالِحِ النَّاس.
إِنَّهُ لُبنَانُ، بَلَدُ الغَرَائِبِ وَالعَجَائِبِ، وَمَا يَجُوزُ عِندَنَا لا يُجُوزُ عِندَ غَيرنَا مِنْ أَهْلِ الأَرضِ، أَكَانَ الحُكْمُ عِندَهُم ثِيُوقرَاطِيَّاً أَم دِيمُوقرَاطِيَّاً أَم دِيكتَاتُورِيَّاً… وَالسَّبَبُ في ذَلِكَ كُلِّهِ يَعُودُ الى غِيَابِ السُّلطَةِ في لُبنَان. فَكُلُّ شَيءٍ عِندَنَا مُتَفَلِّتٌ مِنَ الضَّوَابِطِ وَلَيسَ ثَمَّةَ مَا هُوَ أَسهَلُ مِنَ التَّعَدِّي على القَوَانِينِ – عَنَيتُ بِها قَوَانِينَ البَلَدِ – لِأَنَّ لِكُلِّ مَجمُوعَةٍ قَانُونُها الخَاصّ الذي يَعلُو على القَوَانِينِ اللُّبنَانِيَّة. وَالثَّأْرُ وَالخَطفُ وَالتَّعَدِّي عَلى الحُرُمَاتِ وَعَلى القِوَى الشَّرعِيَّةِ جزءٌ مِنَ القَانُونِ الخَاصِّ لِبَعضِ هَذِهِ المَجمُوعَات.
حَيَالَ هَذَا الوَاقِعِ، الدَّولَةُ تَتَفَرَّجُ وَالحُكُومَةُ تَتَفَادَى التَّصَادُمَ مَعَ زُعَمَاءِ الزَّوَارِيبِ، وَالمَسؤُولُونَ السِيَاسِيُّونَ يُحَاوِلُونَ مُدَاوَاةَ الحَالَةِ المُتَفَجِّرَةِ بِتَبُوِيسِ اللُّحَى وَبِإِحلَالِ الأَمنِ بِالترَاضِي. وَالأَخطَرُ، أَنَّهُم يَعتَبِرُونَ أَنَّ العُنفَ المُتَنَقِلَ على السَّاحَةِ اللُّبنَانِيَّةِ مَضبُوطٌ وَلَنْ يُفلِحَ فِي الزَّجِّ بِلُبنَانَ في آتُونِ الحَرب. إِلَّا أَنَّ هَؤُلَاء غَافِلُونَ عَنْ قُدرَةِ قِوَىً خَارِجِيَّةٍ عَلَى الدُخُولِ مِنْ بَابِ هَذِهِ الأَحدَاثِ لِتَفجِيرِ السَّاحَةِ اللُّبنَانِيَّةِ.
إِنَّ البِلَادَ تَنزَلِقُ الى الحَربِ، وَلَيسَ ثَمَّةَ مَنْ يَهتَمُّ مِنْ أَهلِ السُّلطَان. حَتَى أَنَّ المَسؤُولِينَ المَعنِيِّينَ يَستَغِيثُونَ وَيُحَذِّرُونَ، فَلِمَن تُراهُم يُوَجِّهُونَ كَلامَهُم، وَهَلْ صَارَ مِنْ وَاجِبَاتِ المُوَاطِنِينَ أَنْ يُوقِفُوا المُتَطَاوِلِينَ على القَانُونِ، وَيُداهِمُوا بُيُوتَ المُسَلَّحِينَ وَيُصَادِرُوا أَسلِحَتَهُم، وَيَعتَقِلُوا الخَاطِفِينَ وَيُطلِقُوا صَرَاحَ المَخطُوفِين؟ أَمْ أَنَّ الكَلَامَ مُوَجَّهٌ إلى نَخوَةِ وَأَخلَاقِ المُجرِمِينَ وَالخَاطِفِينَ وَالمُسَلَّحِينَ كي يَكُونُوا هُمْ بِذرَةُ الصَّلاحِ وبِدَايةُ الاستِقَامَة؟ إِنَّها قِمَّةُ الغَرَابَة.
لَنْ تَستَقِيمَ البِلادُ وَلَنْ يُرحَمَ العِبادُ ما لَم تَحزُمِ السُّلطَةُ السِّيَاسِيَّةُ أَمرَهَا وَتُعطِي أَوَامِرَها لِلسُّلُطَاتِ الأَمنِيَّةِ وَالعَسكَرِيَّةِ بِوُجُوبِ الضَّربِ بِيَدٍ مِن حَدِيدٍ لِوَقفِ التَّعَدِّيَاتِ على القَانُونِ، وَأَوَّلُها تَفَلُّتُ السِّلاحِ المُنتَشِرِ بِأَيدِي غَيرِ القِوَى الشَّرعِيَّةِ اللُّبنَانِيَّةِ، سَبَبُ كُلِّ عِلَّةٍ وَأَصلُ كُلِّ بَلِيَّة.
وَإِلَّا فَإِنَّ ظَاهِرَةَ الخَطْفِ سَتُصْبِحُ الفَتِيْلَ الذي سَيُشْعِلُ بِرْمِيلَ البَارُودِ اللُّبْنَانِيِّ الجَاهِزِ أَصْلاً لِلاشتِعَالِ بِفِعلِ الاحتِكَاكَاتِ الدَّاخِليَّةِ وَبفِعلِ النَّارِ السُّورِيَّةِ المُجَاوِرَة. وَمَنْ كَانَتْ لَهُ أُذُنَانِ تَسمَعَانِ فَليَسمَع.