النضال الذي يخوضه “مدنيّو” مصر وتونس ضدّ النزعة الاستئثاريّة التسلّطية التي كشفت عن وجهها بشكل باكر ومؤسف لدى الاسلاميين الذين جاءت بهم صناديق الاقتراع الى الحكم في هذين البلدين هو نضال ديموقراطيّ حيويّ يدخل في صميم الربيع العربي، بل من شأنه تجديد وتجذير مجمل الديناميات التحررية في هذا الربيع وربطها بعضها ببعض. في الوقت نفسه، ثمّة من لا يجد سبيلاً لخوض هذا النضال من موقع علمانيّ تقدميّ الا بتبنّي “أبشع رمز”: بشّار حافظ الأسد.
لقد كان الفيلسوف الالماني هيغل “منخرطاً” في فلسفة التاريخ الى درجة جعلته يجازف، ويرى العقل التنويري ممتطياً صهوة جواد في شخص نابليون وهو يغزو البلاد الألمانية. بدورهم، يعتقد بعض العلمانيين والتقدميين واليساريين العرب أنّهم أصابوا شيئاً من فلسفة التاريخ، بل شيئاً من الهيغلية، وقد وردتهم بعض “طراطيشها” بشكل هزلي من خلال أدبيات ماركسية وردتهم هي الأخرى بشكل هزلي ومبتذل. ولأجل ذلك تراهم يتنافسون في رؤية شعاع التنوير حيث الجريمة المتمادية بحق المجتمع السوريّ والانسان العربي والعقل البشري في آن، والتي اسمها بشار حافظ الأسد. عندهم هم أيضاً، العقل التنويري يتراءى لهم في صورة شبّيح يقتل طفلاً سورياً “سلفياً”، ويصطاد حفنة من الظلاميين كل يوم.
ان الموقف من الثورة السورية ليس تفصيلاً نافلاً في مسار الثورات الأخرى. والخطأ الجسيم الذي يقدم عليه بعض علمانيي ويساريي بلدان عربية تواجه فئاتها المدنية حكم أو لؤم “الاخوان” ليس مجرّد خطأ في الرؤية أو في المقاربة لحال بلدان أخرى. هو خطأ بحق الشعب السوري لكنه أيضاً خطأ بحق الشعوب الأخرى وثوراتها. فلا يمكنك ان تكون حريصاً على كل ذرّة حرّية بوجه الاخوان ومبرّراً لجرائم مريعة متسلسلة على مدى سنتين، ولا يمكنك ان تكون تعبوياً ضدّ “سياسة قطر” على ما يفعل “تنويريّو هذا الزمان”، انّما مشايعاً لسياسة نظام الملالي الايراني، هذا الذي كان بدأ في الحديث عن “شرق أوسط اسلامي” يولّده الربيع العربي ويتوب الى طهران.
وأساس الخطأ ليس في تبني “البشّارية” نكاية بالاخوان المسلمين، مع غض الطرف عن الارتباط الايراني لها، بل هو في اختلاق رؤية تصادمية “مانوية” بين معسكرين، اسلامي من جهة وعلماني أو مدني من جهة ثانية، لأنه بمجرّد اعتماد هذا التقسيم الفج والمغلوط يصير بشّار الأسد والعلمانيون والليبراليّون العرب في خط واحد، ويصير الاختلاف محصوراً في الأساليب المعتمدة، بل يصير الأسلوب البشاري الدموي هو المشتهى في بلدان يستأثر فيها الاخوان بنتائج الانتخابات الاخيرة.
لا يعني هذا ان يكون المرء مضطراً في المقابل ان يسقط على الثورة السورية صوراً تجميلية لها في وجه تلك التقبيحية والتدليسية والافترائية، فان عسكرتها تفتح على أسلمتها دون أدنى شك، خصوصاً في بلد مقهور مذهبياً على يد نظام له سمة أقلوية لا يمكن المكابرة عليها، دون ان يكون بالامكان تفسير كل كبيرة وصغيرة بها. الا ان من الترف الفكري الثقيل الدم ان تحاكم المقاتل الذاهب الى الموت في وجه نظام استبدادي دموي شره وشرس، على نظرته الى الموت والحياة ومرحلة ما بعد سقوط النظام. وهنا أيضاً ينبغي اعادة بعض المثقفين الليبراليين الى رشدهم: التعاطي بواقعية مع مناخات الثورة السورية اكثر من مطلوب، أما التعاطي بنسبية والمساواة بين عنف النظام وعنف الثورة فينبغي ان يكون مرفوضاً ومجتنباً الى أقصى درجة. من لا يرى في اسقاط بشار الأسد ضرورة حيوية قصوى للاقليم ككل، ولكل احتمال للتبرعم والتفتح والتحرّر هو الظلامي.
ليس الصراع في العالم العربي اليوم بين تنويرية وظلامية، أو بين مناخات مدنية وأخرى اسلامية، بل هي عملية اعادة تركيب لمجتمعات تصدّعت ودول تضعضعت بفعل انهيار الانظمة التي كانت تؤجل باستمرارها هذه الاستحقاقات الكيانية الأساسية. الأساس الذي يعطي لعملية اسقاط الأسد ضرورة اقليمية شاملة هو في مثل هذا. استمرار هذا السفاح يؤجّل عمل التاريخ في هذه المنطقة. وقول مثل هذا كاف لوحده دون الحاجة الى قلب معادلة “تنويريين وظلاميين” بالشكل المعاكس: ليس كل من يقاتل النظام الباغي “تنويرياً”، لكن كل من يقاتل هذا النظام انما يقاتل نظاماً باع نفسه لاكثر الانظمة ظلامية في المنطقة، ويجمع “الشرّ” من اطرافه: اسلاموفوبيا مؤطرة مذهبياً لتبرير اضطهاد الأكثرية، ارتماء في أحضان الثيوقراطية الايرانية كآخر ملاذ للعقيدة “البعثية” التي لم تعدل عن عنصريتها بما في ذلك ضد الفرس، اسقاط ثنائية تنوير وظلامية على الواقع السوري ليصير الخيار بين “مستبد مستنير” هو الأسد وبين ظلاميين يهدّدون العالم. لكن عالماً ليس فيه الا بشّار الأسد كي ينقذه هو عالم يستحق الفناء.
