بعد استقالة الرئيس نجيب ميقاتي وعشية انطلاق الاستشارات النيابية الملزمة لتكليف شخصية تشكيل الحكومة الجديدة استعادت “قوى 14 آذار” تماسكها بالتوافق على اولويات المرحلة المقبلة: حكومة انتخابات من غير المرشحين يليها رفض التمديد غير التقني لمجلس النواب، فيما تبدو “قوى 8 آذار” مربكة بين من يعطي الاولوية للانتخابات حتى لا يمدّد مجلس النواب لنفسه واخر يعطيها لحكومة انقاذ سياسية بما يعني ان لا انتخابات في المدى المنظور.
وارباك “8 آذار” ناجم عن تضارب مصالح اطرافها لقناعتهم باستحالة استعادة اللحظة التي نجحوا فيها عام 2011 باسقاط حكومة الرئيس سعد الحريري وتكليف الرئيس ميقاتي الاتيان بحكومة من لون واحد مع وسطيين لا يسمح لهم حجمهم بالتقرير ولا حتى بالتعطيل. فمجمل الظروف قد تغير: من انتكاسة المشروع الاميركي في العراق حينها بما ادى الى هيمنة ايرانية … الى اندلاع الثورة السورية وتبلور القناعةحتى لدى داعمي الرئيس بشار الاسد باستحالة انقاذ نظامه وانشغالهم في الوقت المتبقي على زواله بمحاولة ترتيب اوضاعهم للحد من الخسائر والحفاظ على موطىء قدم في المنطقة.
فزعيم “التيار الوطني الحر” النائب ميشال عون لا يأبه للتكليف ولا للتشكيل. اولويته المطلقة عبور مشروع “القانون الارثوذكسي” الى الهيئة العامة لان عدم اقرار قانون جديد، يلغي سابقه “قانون الستين” المرفوض لكنه الوحيد النافذ حاليا، يؤدي الى تمديد ولاية البرلمان بما يسمح باعتماد التمديد لمناصب اخرى بدءا من قيادة الجيش وصولا الى كرسي رئاسة الجمهورية الذي يطمح عون دوما وابدا الى اعتلائه. لكن طريق العبور هذا بات يبدو مظلما مع صمت رئيس المجلس نبيه بري عن التلويح عند كل منعطف بعقد جلسة عامة يتصدر اولويتها. وقد زرع هذا التباين الشقاق بين الطرفين وهو تجلى رغم كل الجهود التي بذلها “حزب الله” لطمس معالمه.
أما “حزب الله” ورغم تمسكه بارضاء عون فان مصلحته في التمديد على كل المستويات واضحة بانتظار اتضاح صورة المنطقة. فاستقالة الرئيس ميقاتي، التي كانت مطلبا حيويا لـ”14 آذار” وتأخرت ولم ينفذها الا بسبب تغير الظروف والضغوط في طائفته المؤيدة بغالبيتها الكاسحة للثورة السورية، ازعجته بالتأكيد لذا يريد المدّ بعمر حكومة تصريف الاعمال التي امنت له المشاركة فيها غطاء دستوريا وسط طروحات غربية بادراجه على لوائح الارهاب وتورطه في عمليات خارجية وانغماسه في الدعم العسكري للنظام المتهاوي في سوريا. كذلك هو يريد المدّ في عمر المجلس النيابي الحالي رغم ثقته بالحصول على العدد نفسه من النواب في ظل اي قانون انتخابي.
اما عند “قوى 14 آذار” فما فرّقه قانون الانتخابات بسبب دعم حزبي “القوات” و “الكتائب” مشروع “القانون الارثوذكسي” فقد اعادت جمعه وحدة النظرة للحكومة الجديدة. فرغم عدم اتضاح اسم الشخصية التي سينطق ممثلوهم غدا باسمها واضح انهم اتفقوا على ان تكون غير مرشحة للانتخابات اسوة بمن سيشارك بالحكومة التي ستقتصر مهامها على تنفيذ الاستحقاق الدستوري الداهم وان استدعى الامر تاجيلا تقنيا لموعده. فذلك يحول دون تنفيذ رغبة “حزب الله” بتمديد الولاية سنتين مثلا وهو ما يستشف من تمسكه بحكومة سياسية انقاذية مع شبه استحالة التوافق عليها في ظل الانقسام الحالي خصوصا بسبب تمسكه المعلن بفرض ثلاثية “شعب جيش مقاومة” في اي بيان وزاري رغم تمسك الوسطيين بمن فيهم الرئاسة الاولى و”14 آذار” ببيان وزاري يرتكز على “اعلان بعبدا” وهو الموقف الذي يلقى تجاوبا خارجيا دوليا وعربيا.
وتتقاطع تطلعات “14 آذار” مع رئيس “جبهة النضال الوطني” النائب وليد جنبلاط الذي باتت مواقفه اقرب اليهم رغم انه من المستبعد ان يذهب به الامر لدعم حكومة مواجهة مع “حزب الله” لذا فهو يوافق على حكومة حيادية للانتخابات رغم مساندته لعودة ميقاتي.
وعشية الاستشارات النيابية التي يبدأها الرئيس سليمان غدا وتستغرق يومين تراجع الحديث عن مشروع “القانون الارثوذكسي” ومشروع الدائرة الواحدة مع النسبية وحتى عن القانون الاكثري- النسبي المختلط وعاد الى الواجهة “قانون الستين” المرفوض علنا من مختلف الاطراف باستثناء جنبلاط. واتت هذه العودة التزاما من رئيس الجمهورية بتنفيذ الاستحقاقات الدستورية لانه يرفض بالمطلق الموافقة على تمديد عمر البرلمان سنوات اضافية. وسبق له ان قال ” قانون الستين خطأ لكن عدم اجراء الانتخابات خطيئة”. وثمة معلومات عن استشارات قانونية يجريها لمعرفة امكانية جمع مجلس الوزراء المستقيل لانجاز خطوات ضرورية للقانون الوحيد النافذ، والتي فشل قبل استقالة الحكومة بانجازها، مثل “هيئة الاشراف على الانتخابات” والتمويل اللازم للعملية الدستورية.
وبما ان مهلة الترشح وفق هذا القانون تنقضي بعد اقل من اسبوع فقد يتم تمديدها وفق التوقعات بمرسوم. اذ لم يتقدم حتى الآن باوراقه سوى مرشحي جنبلاط فيما دعا المسيحيون المستقلون في 14 آذار بلسان النائب بطرس حرب للترشح حتى لا تفاجئنا المستجدات بترشيحات في اللحظة الاخيرة تصادر التمثيل الحقيقي.