#adsense

حدود التسوية مسيحيّاً: 50 – 55 نائباً في قانون مختلط

حجم الخط
«لم يكن هناك أمل بنسبة 5 % في إمرار المشروع «الأرثوذكسي». وقرَّرنا السير فيه لنكشف الأقنعة، وحتى لا يزايد علينا أحد. لقد دعَمْنا «الأرثوذكسي» قبل المختلط، وسندعمه إذا فشل المختلط. لكنّنا ندرك أنّه لن يمرّ»…
هذا ما يقوله قطب مسيحيّ في 14 آذار في مجالسه الخاصة، مضيفاً: “سنقاوم قانون 1960 الذي فُرض علينا عام 2008. كان أفضل من قانون العام 2000، لكنّه سيّئ للتمثيل المسيحي. وأسوأ ما فيه إعتباره مطلباً للمسيحيّين. ولذلك، عندما ينادون اليوم بتبديله، يَظهرون وكأنّهم يطمعون بأكثر من حقوقهم”.

يوحي هذا القطب بأنّ الحدّ الأدنى العادل لتمثيل المسيحيّين هو ما بين 50 و55 نائباً منتخباً بقواعد مسيحية، أي بزيادة 15 أو 20 نائباً عمّا يحقِّقه قانون 1960. ويطرح المعادلة الآتية: “إذا كان قانون 1960 يمنح المسيحيين “مناصفة صُوَرية” أو “وهميّة”، و”الأرثوذكسي” يكفل “المناصفة الحسابية” المجرَّدة، فإنّ “المناصفة الواقعية” تتحقّق بالقانون المختلط الذي يراوح ما بين طرح رئيس مجلس النواب نبيه بري وطرح “القوات اللبنانية”. فهو لا يأتي بمناصفة مسيحية صافية مقابل مناصفة إسلامية صافية، على طريقة “الأرثوذكسي”، بل يمنح القدرة لكلّ من المجموعتين المسيحية والمسلمة لكي تأتي بغالبية نوابها، ويمنح كلّاً منهما تأثيراً على إنتخاب نواب في المجموعة المقابلة. ولذلك، هو أفضل وطنيّاً. وإذا استطعنا الجمع بين التمثيل العادل ومعايير الاندماج، فبالتأكيد هذا أفضل.

ويدافع هذا القطب “حسابيّاً” عن مطلب الـ50 ـ 55، ويقول: “إتفاق الطائف يُقِرُّ بالمناصفة، أي لكلٍّ 64 نائباً. وسمعنا أصواتاً تقول: لم يعُد المسيحيّون 50 % عددياً، فلماذا يطالبون بالـ50 % من النواب؟”. ويضيف: “هذا الكلام خطير، لأنّه ينسف إتفاق الطائف وله تداعياته. ولكن، حتى في منطق هؤلاء، المغلوط، من حقّ المسيحيين أن يكون لهم نحو 50 نائباً منتخبين من قواعدهم المسيحية. ففي المعادلة الحسابية، تشير لوائح الشطب، على رغم الشوائب في قانون التجنيس والخلل في قوانين الهجرة والاغتراب، إلى أنّ المسيحيين في لبنان ما زالوا في حدود الـ39 %. وهذا يعني، في القياس النسبي، أنّ من أصل 128 نائباً يجب أن يتمثّلوا، فعليّاً لا صُوَريّاً، بنسبة تفوق الـ39 % من المجلس النيابي، أي نحو 50 نائباً. فالمجموعات الأُخرى تتمثّل فعليّاً لا صُوَريّاً في كلّ القوانين المطروحة.

«4 سلبيات لا تصنع أمَّة»!

في أيّ حال، أدخل اجتماع بكركي قانون الـ60 في حال الوفاة الدماغية، جنباً إلى جنب مع “الأرثوذكسي” والنسبية في الدائرة الواحدة. أي على التوالي: وفاة الطرح السنّي ـ الدرزي والطرح المسيحي والطرح الشيعي. وهناك حظوظ متساوية لإنعاش كلّ منها، وكلّها تقارب الصفر. وقد تبيّن أنّ القوى المسيحية الأكثر تمثيلاً تشارك بكركي بحثها عن الخيار الواقعي، أي المختلط. وبدا مثيراً للمجتمعين في الصرح البطريركي أن تكون شخصيات مسيحية في 14 آذار خارج الصورة، منشغلة بتحضير المستندات للترشُّح وفق قانون الـ60، لئلّا يفوتها القطار، فيما الجهد منصبٌّ بين القيادات والبطريرك لتحسين التمثيل.

وبعد انكشاف أقنعةٍ وقرب انكشاف أخرى، في ملفَّي الإنتخابات والحكومة ومجمل اللعبة الداخلية، هناك فرصة لمخارج سريعة نواتها حكومة قادرة وانتخابات عادلة، ثمّ التفرُّغ لإصلاح الخلل الوطني جذريّاً، و”إعلان بعبدا” يصلح أن يكون منطلقاً.

ولكن، عبثاً يستمرُّ الترقيع وتجاهل المكامن الحقيقية للخلل. فاتّفاق الطائف منح كلّ طائفة الحق في ممارسة “الفيتو”، أي التعطيل، للدفاع عن مصالحها. وإذا كان النظام في لبنان طائفيّاً حتى إشعار آخر، فـ”الفيتو” الطوائفي يصبح طبيعيّاً للتوازن. لكنّ العطل في “الطائف” هو أنّه لم يبتكر آليّة للخروج من “الفيتو” إلى التسوية الحقيقية. ومن هنا، كان التوازن الذي صنعه هذا “الطائف” سلبيّاً لا إيجابيّاً. فكلّ فريق طوائفي قادر على تخريب ما هو قائم أو ما يمكن أن يقوم، لكنّ مجموع الفِرَق الطوائفية عاجزٌ عن صوغ بناء مشترك.

و”الفيتو” الطوائفي، بعد “الطائف”، استثمره الوصيّ السوري لـ15 عاماً وفقاً لمصالحه. وفي شكل معاكس أيضاً، تنعَّم أرباب الطوائف، غير المسيحية خصوصاً، بوصاية سوريا لتحقيق مصالحهم الطوائفية والسياسية والشخصية. وأمّا اليوم، فالصدمات السياسية والدستورية تعالجها المسكّنات الموضعية كالحلف الرباعي 2005 والدوحة 2008 والصفقة المنتظرة حاليّاً.

قبل “الطائف” بعقود، رفع جورج نقّاش معادلته الشهيرة: “لا يمكن لسلبيَّتين أن تصنعا أمَّة” (Deux négations ne font pas une nation). وأمّا بعد الطائف، فصار لبنان أمام أربع سلبيات مذهبية أو أكثر… (شيعية، سنّية، درزيّة، مسيحية… إذا تمّ التغافل عن مذهبيات مسيحية).

وإذا لم تكن اللحظة الكيانية التي يجتازها الشرق الأوسط مناسبة لصناعة عَقدٍ لبنانيّ حقيقي وواضح، أي صياغة “الفيتوات” في عَقدٍ جديد، فسيكون لبنان ضحيّة هذه “الفيتوات” المذهبية التي أرادها اللبنانيّون أنفسُهم بأنفسِهم لأنفسِهم. 

المصدر:
صحيفة الجمهورية

خبر عاجل