الإثنين الماضي أفاد “المرصد السوري لحقوق الإنسان” أن شهر آذار كان الأكثر دموية بحيث تجاوز عدد القتلى ستة آلاف شخص. وربط المراسلون الحربيون توقيت إزدياد أعمال العنف بمناسبة مرور سنتين على الحرب الأهلية السورية.
حرص الرئيس بشّار الأسد على أن يميّز بين ما يحدث في بلاده وما فعلته موجة “الربيع العربي” في ليبيا ومصر، مؤكداً أن سوريا ستظل محصّنة ضد الإضطرابات. ووصف الثوار بأنهم حفنة من الرعاع المأجورين الذين يهمهم إثارة الشغب والقلاقل.
ولكن تلك الحفنة من الرعاع لم تلبث أن تحولت تنظيمات مسلحة تضم آلاف المقاتلين الذين تدفقوا من الدول العربية والاوروبية ليشاركوا في عملية إسقاط نظام إستمر نحواً من نصف قرن.
قيادة “الإئتلاف الوطني السوري” تقدر عدد التنظيمات المعارضة بأكثر من ثمانين، أبرزها ثمانية: جبهة النصرة: وهي جماعة جهادية متطرفة، تشبه من الناحية الايديولوجية منظمة “القاعدة”، الأمر الذي شجع الولايات المتحدة على إدراجها على قائمة الإرهاب. وقد ظهر نشاطها للمرة الأولى في شباط 2012. كما ظهر تحالفها مع جماعة “القاعدة” في العراق. وهي تستخدم المعابر الحدودية لتوزيع نشاطها بين البلدين المتجاورَيْن.
كتائب أحرار الشام: وهي تضم شبكة من المقاتلين السلفيين الذين يحظون بالدعم الإقتصادي من بعض الدول الخليجية. وهدفهم – حسبما حددته قيادتهم – إقامة نظام إسلامي في سوريا. أما المواقع التي ينشط فيها الإنتحاريون من محازبيها فهي: دمشق وحماة وحلب وإدلب. ومع أنها لا تنتمي الى إتحاد الجماعات الإسلامية المقاتلة في سوريا… إلا أنها تتعاون معها في خوض المعارك الكبرى، وفي توزيع مغانم الأسلحة والذخيرة.
إتحاد ثوار حمص: وقد تشكل هذا الإتحاد من مجموعات مختلفة الهوى والمشرب، تنحصر مهمتها في الدفاع عن حمص وتأمين الدواء للجرحى والمصابين. وقد أعلِن عن تأسيسه في ربيع 2012. وحرص في البيان الأول على شرح طروحاته الإسلامية المعتدلة، مع الجهر بإستقلالية قراراته وعدم إلتحاقه بـ”الجيش السوري الحر”.
جبهة تحرير سوريا: وهي تضم قوات متحالفة سبق أن أعلِن عن تأسيسها في أيلول 2012. وفي بيانها الأول قدمت نفسها كائتلاف مستقل يضم عشرات القوى الصغيرة ذات المصالح الإقتصادية المشتركة. وعلى هامش هذه الجبهة تنشط ثلاث قوى فاعلة.
كتائب صقور الشام: وهي تُعتبر من أقدم القوى المقاتلة إذ تأسست في منتصف سنة 2011. وحسب التقديرات، فان قوامها يتألف من 4 آلاف محارب يأتمرون بأمرة أحمد عيسى وأحمد الشيخ. وهما يروجان لبناء حكم إسلامي، مع التساهل في معاملة الأقليات التي يتألف منها النسيج الإجتماعي السوري.
تجمع أنصار الإسلام: تأسست هذه المجموعة في صيف 2012 مع تنظيم سري يتألف من سبع خلايا مختلفة. وهي تتبع في نشاطاتها تعليمات “جيش سوريا الحر”، وترفع العلم الأسود كمظهر للتدليل على إنتمائها لكتائب الإسلام. وقد إختارت دوما، قرب دمشق، كمركز لإدارتها.
كتائب الفاروق: من أبرز المجموعات المستقلة التي تتلقى مساعدات مالية وعسكرية من دول الخليج. وهي تضم أكبر مجموعة من المقاتلين المتطوعين الذين يزيد عددهم على 20 ألف معارض. يعمل هؤلاء كجيش نظامي تحت قيادة عبدالله عبدالزايد وأبوصايا الجنيدي.
لواء شام الرسول: أعلنت مجموعة من الكتائب العسكرية المعارضة في دمشق وريفها الإنضواء تحت قيادة عسكرية واحدة باسم “لواء شام الرسول”. وحددت أهدافها بالعمل على “إسقاط النظام ومحاسبة أعوانه ومجرميه”.
وجاء في الفيديو، الذي وزِّع على المواطنين، أن توحيد هذا اللواء شجع كل المناصرين على حضور الإحتفال من أمثال “كتيبة الناصر صلاح الدين” و”كتيبة بيارق الإسلام” و”كتيبة شيخ الإسلام إبن تيمية” و”سرايا الحسن والحسين” و”كتيبة الفقهاء الصالحين” و”كتيبة أنصار القرآن”.
ويُستدل من رسائل المراسلين أن ظاهرة تكاثر الكتائب المسلحة، العاملة على إسقاط النظام، تشير الى إستعداد جماعي لمرحلة ما بعد بشار الأسد. أي مرحلة تأسيس نظام جديد لم تنجلِ طبيعته السياسية بعد.
ودون الوصول الى هذه الغاية تكمن صعوبات وعوائق يصعب تحديدها. من هنا بدأت الدول الغربية، المؤيدة لتسليح المعارضة، تراجع مواقفها في انتظار إنعقاد مؤتمر الإتحاد الاوروبي في نهاية شهر أيار المقبل.
وفي تفسير صدر عن مكتب بنيامين نتنياهو ما يؤكد خطورة الظروف الناشئة في سوريا. ويقول تقرير لوكالة الصحافة الفرنسية أن الفوضى المسيطرة على ساحات القتال فرضت مصالحة تركيا واسرائيل بسبب الحاجة الى تدخلهما في المستقبل.
خلال السنة الأولى من الحرب قدّرت اسرائيل أن الثوار سيهزمون قوات الأسد في مدة أقصاها سنة واحدة. وبدلاً من وصول الفريقين الى حسم نهائي نشأ وضع من الشلل المتبادل. والثوار حالياً يسيطرون على مساحة لا تقل عن 75 في المئة من أراضي الدولة. بينما قوات الأسد تسيطر على المواقع المهمة من دمشق وحلب وحمص والمنطقة العَلوَية في شمال غرب البلاد.
ويرى المراقبون في قرار إستحداث ثلاث محافظات جديدة، إضافة الى المحافظات الـ 14 القائمة، تعزيزاً لسيطرة النظام على المناطق التي لا تزال تحت إشرافه.
وعندما حاول الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند تغيير موقف الرئيس الروسي بالنسبة لدعم النظام، رفض فلاديمير بوتين الأخذ بمنطقه وسأله: هل تضمن نشوء نظام علماني ديموقراطي يستوعب كل الأقليات… أم أن البديل سيكون نظاماً سلفياً يدعو الى إحياء دولة الخلافة الإسلامية، وطرد الكفار؟!
ازاء المواقف المتصلبة من الجهتين، تبدو عملية الحسم النهائي أمراً مستبعداً قبل حلول الصيف المقبل. وهذا هو الفصل الذي حددته حكومة الإئتلاف السوري لقوى الثورة والمعارضة كموعد أخير لمعركة الحسم والفصل.
منظمة حماية حقوق الإنسان، التي تنتمي الى المعارضة السورية، تزعم بأن “الجيش الحر” يسيطر على كل المناطق الحدودية بعمق 25 كلم من شرق البلاد حتى غربها في محاذاة الحدود الأردنية حتى الحدود الاسرائيلية في الجولان. وهي تدّعي أيضاً بأن حقول النفط، القريبة من الحدود العراقية، سقطت في أيدي الثوار.
وبما أن مطار دمشق الدولي تحول مطاراً عسكرياً لإستقبال شحنات السلاح المرسلة من طهران، فان تعطيله أصبح هدفاً مركزياً للمعارضة، ويوم السبت الأسبق أطلق الثوار صاروخاً ألحق أضراراً بقاعات عدة. ولكن حركة الطيران لم تتوقف، علماً أن مطار بيروت أصبح المطار البديل للشخصيات الرسمية السورية المضطرة الى السفر مثل الوزير وليد المعلم والمستشارة بثينة شعبان. ولم تقتصر خدمات مطار بيروت على إستقبال الشخصيات السورية الرسمية فقط، بل تعدتها من أجل تمرير المساعدات الإنسانية لأكثر من 400 ألف نازح سوري.
ويوم الأربعاء الماضي حطت في مطار بيروت طائرة روسية ناقلة 36 طناً من المواد الغذائية والبطانيات ومولدات كهربائية. وقد تسلمها العميد ابرهيم بشير باسم الهئية العليا للإغاثة.
وتزامنت عملية نقل المساعدات يوم الأربعاء الماضي مع هجوم مفاجىء قامت به طائرة مروحية سورية على بلدة عرسال اللبنانية. وأطلقت صاروخين على البلدة كنوع من التحذير للسلطات بألا تسمح بتسلل المقاتلين الى ريف دمشق… وألا تشجع النازحين على الإحتماء بسقف الحياد اللبناني.
الرئيس ميشال سليمان كرر ما قاله بعد إختراق مماثل حدث في منتصف آذار الماضي، بأن “إنتهاك السيادة اللبنانية عمل غير مقبول”. وتتخوف الدولة اللبنانية من الذرائع الوهمية التي تسوّقها دمشق بهدف دفع قواتها البرية لسد كل معابر الحدود مع لبنان. وقد وصلت الى المسؤولين في بيروت شكاوى تحذر من تقاعس الجيش اللبناني عن حماية الثغرات الأمنية.
المحللون في العواصم الاوروبية يرون في إحتمال دخول القوات السورية النظامية الى لبنان تغييراً في تكتيك المعركة السياسية بحيث يصبح الوضع الخاضع لسياسة النأي رهينة الجارة الكبرى. ومن هذا المنطلق، تتوقع السلطات السورية أن يغرق لبنان في دماء حرب أهلية مماثلة، الأمر الذي يحضّ الدول الكبرى على إنقاذ السجين والسجّان معاً.
ومن أجل تفادي أزمة إجتماعية – إقتصادية قد تنفجر، بسبب تدفق النازحين السوريين الى الأردن أيضاً، أعلن رئيس الوزراء عبدالله النسور أن بلاده تدرس إقامة منطقة عازلة جنوب سوريا. وتوقع حدوث إنفجار أمني داخل سوريا سيؤدي الى إرتفاع حركة اللجوء في اتجاه الأردن. وكانت الحكومة الأردنية قد أعلنت أن عدد السوريين المقيمين لدى المملكة قارب المليون نسمة، منهم 460 ألفاً دخلوا البلاد خلال سنتين.
وتؤكد حكومة النسور أن الأردن يتحمل أعباء إجتماعية وإقتصادية ضخمة نتيجة إستمرار النزوح السوري، الأمر الذي شجع النواب على طلب إغلاق الحدود.
أما بالنسبة الى اسرائيل، فهي أعلنت عن فتح مستشفى ميداني على الحدود السورية، شمال هضبة الجولان. وكان ذلك نتيجة تسلل مقاتلين أصيبوا في المعارك لتلقي العلاج الطبي. وقد أثار قائد المنطقة الشمالية اللواء يئير غلوان، هذا الموضوع مطالباً بنشر حزام أمني على الجانب السوري من الحدود، خشية حدوث إختراقات يهدد الدروز بافتعالها. ووفقاً لصحيفة “معاريف”، فان مئات من الجنود الدروز الذين يخدمون في الجيش الاسرائيلي طلبوا الدخول الى سوريا من أجل الدفاع عن أشقائهم الدروز الذين تعرضوا لإعتداءات “جبهة النصرة”. ونقلت الصحيفة عن الزعيم الروحي للطائفة الدرزية في اسرائيل الشيخ موفق طريف قوله أن جماعة “النصرة” هاجمت قرية “الخضر” الدرزية الواقعة في هضبة الجولان المحتلة.
ويبدو أن أفراد الفرقة الدرزية داخل الجيش الاسرائيلي قد لاحظوا الإستعدادات القائمة لحسم المعركة داخل سوريا ولبنان. والمؤكد أن الجبهة الشمالية أخذت الأولوية، على إعتبار أن سوريا لم تعد تمثل خطراً مباشراً على اسرائيل. والسبب أن الجيش النظامي السوري تعرض لتحولات جذرية خلال السنتين الماضيتين، فقد قتِل منه أكثر من 13 ألف جندي. وإنشق من الوحدات العسكرية أكثر من 40 ألف جندي. وهكذا أصبحت الجبهة الداخلية ساحة مشرّعة لكل التيارات المتصارعة على وراثة حزب البعث.
يقول العقيد أوهيد نجمة: العدو الأول بالنسبة لجيش الدفاع، أصبح لبنانياً. “لذلك ألغينا التدريبات السابقة لمواجهة الدبابات، وحصرنا إهتمامنا بمواجهة الصواريخ التي يملك منها “حزب الله” الآلاف. وعليه ننتظر ساعة الصفر لإعلان الحرب الثانية على “حزب الله”.
هل هذا محتمل؟ في هذا السياق دعت الخارجية الاميركية رعاياها الى تجنب السفر الى لبنان. وأشارت معلومات صحافية الى زيارة وفد أمني اميركي قام بجولة على شاطىء منطقة ضبية، للإطمئنان الى أن البواخر قادرة على إستخدامه، مثلما إستخدمته في حرب تموز 2006.