#adsense

“رجع الحق لأصحابه..”

حجم الخط

عند حلول مساء اليوم يفترض أن يصبح الأمر واقعاً: تمام بك سلام رئيساً مكلفاً بتشكيل الحكومة العتيدة، وينضم بذلك إلى نادي رؤساء الحكومات في لبنان للمرة الأولى، بعد أن كان والده الرئيس الراحل صائب سلام الوجه الأبرز في هذا النادي.

أن يعود احد نواب قوى الرابع عشر من آذار لشغل كرسي السرايا الحكومية، يعني أن “الحق رجع لأصحابو” وهذه الرسالة بمغزاها البعيد يجب أن تكون موجهة لصاحب هذه الأمثولة، رئيس تكتل “التغيير والإصلاح” النائب ميشال عون.

لم ينس اللبنانيون اللافتات الضخمة التي رفعت في شوارع بيروت وقضاء المتن الشمالي بعد عودة “الجنرال الغاضب” من العاصمة القطرية الدوحة، رافعاً شعار النصر فور نزوله من الطائرة في مطار بيروت الدولي ليعلن بالفم الملآن أن “الحق رجع لصحابو” بعد التوافق على اعتماد قانون الستين ليكون القانون الانتخابي الذي يسمح للمسيحيين “أن يستعيدوا قرارهم من يد من سلبهم إياه وفرضوا عليهم نواباً لا يتمتعون بالتمثيل الحقيقي”.

لكن حسابات حقل عون لم تتوافق مع بيدره، فخاض الانتخابات في العام 2009 ولم يوفق في الحصول على الغالبية التي كان يشتهي، فانقلب على القانون ووضع الحق عليه واعتبره أنه السبب في خسارته، ليضم إلى سجلاته خسارة جديدة تُسجل في خانة سلسلة حروبه الخاسرة، وما أكثرها.

ولم يكتف عون بهذا القدر من الخسارة، فرأى في مشروع قانون التفتيت وضرب العيش المشترك المسمّى زوراً مشروع “اللقاء الارثوذكسي” أنه سيحقق للمسيحيين، وهو في مقدّمهم، ما يعتبرون أنه تمثيلاً صحيحاً في مقاعدهم النيابية، ولم يأخذ في حساباته أن هذا القانون سيمّهد في الحد الأدنى لفدرالية الطوائف التي تجعل من كل طائفة “ديكاً” على “مزبلتها” وسيزيد حتماً في حال اعتماده من خسائره المعنوية والسياسية، فليس المطلوب زيادة عدد مقاعد كتلته النيابية بقدر ما هو مطلوب الحفاظ على الوطن والعيش المشترك بين بنيه، وهذا ما لا يبدو أنه في أولوياته.

وفي استعادة للمخاطر التي كان العديد من المعارضين لهذا المشروع قد أشاروا إليها، فهي تبدأ مع فقدان الناخب للتواصل مع النائب عن دائرته إن لم يكن ينتمي إلى الطائفة نفسها، وصولاً إلى احتمال “تنطّح” الغيارى على المذاهب للمطالبة بحق تعيين نواب كل مذهب للموظفين المنتمين إلى مذهبهم، مهما علا شأن هذا الموظف من “سعادة السفير” إلى “دولة الرئيس” أو “فخامة الرئيس”.

من الواضح أن النائب عون الذي لم يتعلّم من أخطائه الماضية ومن الخسائر السياسية والعسكرية التي تكبّدها طيلة مسيرته، ارتكب خطأ فادحاً جعله يتوهّم أن بقدرته أن يستند إلى قوة حليفه “حزب الله” للاستمرار في فرض شروطه على الحكومة وعلى رئيسها وأنه “كرمال عيون الصهر” قادر على الاستمرار في “هوسه” الموصوف بأنه الآمر والناهي في البلاد.

نسي عون أنه “لو دامت لغيرك لما آلت إليك”، ونسي أن لكل امرئ حداً من الاحتمال ليس بالإمكان تجاوزه، فراح “ينكّل” برئيس الحكومة المستقيلة نجيب ميقاتي ويفرض عليه ما لم يعد لا ميقاتي ولا غيره قادر على احتماله، فوجّه له رئيس الحكومة الضربة القاضية بالاستقالة، سالباً إياه “نعمة” وجود 10 وزراء يأتمرون بأمره ويسيّرون له مصالحه السياسية والخاصة على حد سواء، وفي مقدّم هؤلاء “الشاهنشاه” المدلل، صهره “الجهبذ”.

لم يتعلّم من براغماتية حليفه “حزب الله” شيئاً، ولم يتقدّم في ممارسته السياسية خطوة واحدة إلى الأمام، فراح يطلق المواقف العنترية ويرفع الشعارات التي لم تنفعه بشيء، لكنها ارتدت عليه سلباً، ومن بينها “استعادة الحق” واعتبار نفسه “صاحباً لهذا الحق”.

لا يمكن لأحد أن يعتقد أن تسميته النائب تمام سلام لرئاسة الحكومة هو موقف عقلاني، اقتنع بضرورة اتخاذه، لكن أخاك مجبر وليس بطلاً. وليس سراً انه اختلف مع حليفه، وحليف حليفه، حول شخصية الرئيس المكلف وحول طبيعة الحكومة العتيدة وحتماً، حول الحقائب التي يريد ويشتهي أن يحصل عليها في الحكومة العتيدة.

أن يكّلف تمام سلام تشكيل الحكومة العتيدة، ومهمتها الأولى إجراء الانتخابات النيابية، ومطالبة فريق “14 آذار” بأن يكون وزراء هذه الحكومة من غير المرشحين للانتخابات النيابية، سيكشف حقيقة موقف ميشال عون من الانتخابات والقانون الذي ستجري بموجبه.

ربما ليس من الإنصاف إلقاء هذه التهمة على “الجنرال الغاضب” بمفرده، بل يجب تحميل المسؤولية الحقيقية إلى “حزب الله” لأنه من يسيّر الأمور ويرسم الطريق أمام الجنرال السابق، لكن الحزب المشهور عنه محاولاته الدائمة لعدم الوقوع في أفخاخ قد تجر البلاد إلى حيث لا يمكنه تحمّل نتائجها، تجعله “ينأى بنفسه” عن عنترية الكل يعرف أنه يملكها، و”يدفش” عون لكي يكون في الواجهة.

لكن في الخلاصة، أن يحظى تمام سلام بإجماع نيابي على تسميته رئيساً للحكومة، يعني ان جميع مكونات البلد اقتنعت بأن الانقلاب الذي نفّذه أصحاب القمصان السود على حكومة الرئيس سعد الحريري، كان انقلاباً على الحق، وانقلاباً على الدولة، وانقلاباً على الأكثرية النيابية التي تحققت في دورتين متتاليتين، وإقراراُ بوجوب إعادة الحق إلى نصابه، ولو عبر تمام سلام.
مع تكليف تمام سلام “رجع الحق لصحابو”.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل