وهذا الواقع مؤثر ولا يمكن تجاهله في طبيعة الرياح التي تهب على لبنان باعتبار انه لم يكن يوماً بعيداً عن التأثر برياح المنطقة. لكنه ادى تالياً وبدوره الى بلورة عاملين:
الاول ان المملكة العربية السعودية من حيث موقعها وما تمثل بالنسبة الى لبنان من عمق سني عادت لترسي من حيث استقبالاتها او حركة سفيرها علي عواض العسيري النشطة في بيروت قواعد توازن سياسي في البلد بعد الخلل الذي حصل خلال العامين الماضيين وانسحابها من المشهد السياسي اللبناني. وتوقيتها يأتي في لحظة مثالية في ظل غياب اي وسيط اقليمي او دولي على خط محاولة التوفيق بين اللبنانيين من هذا الجانب او ذاك، اضافة الى السعي الى ترجيح كفة اقليمية معينة في ظل الصراعات الاقليمية الجارية في المنطقة.
والعامل الثاني هو مساهمة كل العناصر الاقليمية المذكورة سابقاً في حض قوى 8 آذار على الاقتناع بضرورة العودة الى التسويات الداخلية اللبنانية. فعلى رغم انه يبدو ان الخيارات باتت محدودة امام هذا الفريق فانه لا يزال يملك احد مفاتيح التسوية شأنه شأن الفريق الآخر لكنه لم يعد يستطيع الاستئثار بها وحده وادارة البلد وفق ما يريد.
وعلى هذا الصعيد، يبدو فريق 14 آذار مستنداً الى واقع جديد اكثر راحة بالنسبة اليه ادى، وفق ما تكشف معلومات بعض أبرز اركانه، الى تسمية النائب تمام سلام من الاساس وليس استناداً الى اعتباره مرشح مساومة وفق ما سرت التكهنات. اذ تتحدث هذه المعلومات انه، ومنذ زيارة وفد كتلة المستقبل الاسبوع الماضي الى الرئيس سعد الحريري في الرياض، فان هذا الوفد حمل معه ثلاثة اسماء: اسمان بمثابة رفع سقف للتفاوض وفي انتظار معرفة موقف فريق 8 آذار هما اللواء اشرف ريفي الذي وعلى ذمة المعلومات كان الرئيس الحريري على ثقة بان الفريق الآخر لن يسير به ويمكن ان يعتبره مرشح تحد كونه اخرجه من قيادة قوى الامن الداخلي وادى الى استقالة حكومة الرئيس ميقاتي، لكن من دون ان يعني ذلك احتمال استبعاد ريفي نهائياً بل عودته وفق ما تكشف بعض المعلومات عن تسميته وزيرا للداخلية في الحكومة العتيدة. والآخر هو اسم النائبة بهية الحريري الذي استبعده الرئيس الحريري بنفسه باعتبار ان الحملات ستنصب عليه مباشرة في حال رسو الاختيار عليها. اما الاسم الثالث فكان للنائب تمام سلام انطلاقاً من اعتبار قوى 14 آذار الاخير مرشحها الحقيقي والذي لا يمكن المساومة عليه تحت اي ظرف. وقد حسم الرئيس الحريري اختيار سلام منذ الاسبوع الماضي على عكس ما سرى من انه كان اختيار الايام الاخيرة. وبين عودة وفد المستقبل من المملكة السعودية ونشاط الاتصالات الداخلية على كل الصعد، تقول المصادر المعنية انه تم التشاور مع الحلفاء في قوى 14 آذار كما مع النائب وليد جنبلاط من اجل اخراج ترشيح سلام الى العلن، علماً ان بعض افرقاء قوى 14 آذار المسيحيين كانوا يفضلون فعلاً السير باللواء اشرف ريفي، انما عادوا فاقتنعوا وللاعتبارات نفسها التي ساهمت في اختيار الحريري لسلام وتفاهم الجميع على الاخير مرشحاً لرئاسة الحكومة مذكرة بان الحريري سبق ان اقترح سلام مرشحا توافقيا في العام 2011 ولكن لم يرض به الفريق الآخر وأصر على رفضه. وتحرص هذه المصادر على ابراز هذا المعطى باعتبار انه، وان كان يفهم ضرورة او محاولات تأمين اخراج ترشيح النائب سلام مرشحا توافقيا من اجل ان يقبله الفريق الآخر من خلال تقديم صيغ او معادلات سياسية معينة، لكن الامر يؤدي من جهة الى اظهار الامر وكأنه تدخل سعودي في تسمية او اختيار سلام للرئاسة الثالثة، وهو لا يعكس الواقع، وفق ما تقول هذه المصادر وان كان حصل تشاور مع المسؤولين السعوديين، لكنه يبقى خياراً لبنانياً مئة في المئة. وهو يؤدي من جهة اخرى الى محاولة تظهير وصاية جديدة على البلد من اجل تبرير رفض محتمل لاحقا لفريق 8 آذار للسير باي حكومة لا تناسبها بذريعة انها حكومة تأتي من الخارج او بتأثير منه كما اتهام الفريق الآخر بانه يأتمر باوامر الخارج.
