بتاريخ 12 أيار 1953 نالت حكومة الرئيس الراحل صائب سلام ثِقة المجلس النيابي بأكثرية 37 صوتاً مقابل 31، في حين غاب عن الجلسة 9 نواب بعد خمسة أيام على تسمية رئيسها، فكانت مهمتها الأساسية إجراء الانتخابات. وبعكس التوقعات، نجحت تلك الحكومة في تِلك المهمة، فكانت حكومة الأربعة أشهر برئاسة من رفض أن يترشح عن مقعد بيروت النيابي.
ولأن هذا الشِبل من ذاك الـ بك، يكبر الرهان اليوم على تمام سلام، الرئيس المُكلّف تشكيل الحكومة كونه ينتهِج سيرة أبيه والاعتدال، والتي لا تخلو أيضاً من الحزم في الموقف والوضوح في الرؤيا وفنّ الاختصار، بعكس من يتفنّن في فبركة المطوّلات التي يعجز كاتبها عن فهم نأيها بالنفس والفلسفة. والأهم من كلّ ذلك، ينال هذا الرئيس المُكلّف أعلى نسبة دعم شعبي ومعنوي من أكثرية سنيّة يمثلها نظيره سعد الحريري، هذه الأكثرية التي ستحمل “حكومة السلام” إلى شاطئ الأمان بفعل التوازنات الدقيقة التي لم تراعها حكومة تصريف الأعمال الحالية.
لكن ما بين التكليف والتأليف يكمن اللغز الكبير المتمثل بـ”الحب الكبير”، حبّ الـ124 نائباً وصراحة 3 نواب أعلن زعيمهم رفضه الصريح والتام، دعم من يخرج من بيت الوسط مُرشحاً (بيت الوسط المُعادي للأسد وفرنجية حليف الأسد)، هو سليمان فرنجية الذي يفرض احترامه حتى في عزّ الخصومة السياسية كونه صريحاً وغير متلوِّن، إضافةً إلى اعتكاف من حَرَمَ الرئيس المكلّف صوته، كوّنه فضّل عدم زيارة قصر بعبدا الذي يسكنه الجنرال الرئيس، ميشال (سليمان).
وهذا الحبّ الذي هَبَط فجأةً على الرئيس المُكلّف هو “الحبّ المخيف” الذي يُشبه حبّ الشاب الذي يقع في غرام النظرة الأولى والابتسامة الأولى والهمسة الأولى، قبل أن يكتشف شروط “حبيبته” ورأيها والخصوصيّات، أو العكس، فيقع خلاف “العشق الممنوع” وتقع معه الكارثة.
فالإشادة بالعريق ابن العريق لا تكفي، والزجليّات لا تُشكِّل حكومات ولا تصنع انتخابات، والحبّ الكلامي لا يُنجِب الأطفال، فالمطلوب أولاً وقبل أي شيء، تسهيل مهمة الرئيس المكلّف ودعمه بكل وسائل التسهيل، والأهم الثقة بحكمته في الاختيار على غِرار ما يفعل حالياً زعيم أكبر كتلة نيابية (إم الصبي في تسمية رؤساء الحكومات). والتسهيل هذا، يرمي إلى عدم وضع العصي في دواليب التأليف، ما يعني عملياً وقبل أي شيء، ترك مهمة اختيار شكل الحكومة وحجمها لصاحب الشأن (تمّام سلام) بالتنسيق مع رئيس الجمهورية، كما ينص الدستور.
فهناك المرحلة الأولى التي يستمزج فيها الرئيس المُكلّف آراء الكتل بعد أن يزور بروتوكولياً رؤساء الحكومات السابقين، ليبني على طلباتهم شكل الحكومة كما يراها هوَ بعد تدوين كلّ ملاحظات الكتل والمطالب، ومن ضمنها الحصص والأحجام.
هنا أيضاً، المطلوب من الجميع وفقاً لدِقّة المرحلة، التواضع في المطالب، والتواضع هذا، هو الطريق الوحيد إلى تأليف الحكومة بأسرع وقت، كون مهمتها الأساسية إضافةً إلى استتباب الأمن وضبط الحدود، إجراء الانتخابات في أسرع وقت، ما يعني إنتاج قانون انتخابي عادل يراعي التمثيل الصحيح ولا يستفزّ أحداً. وهذا ما يتطلب مجهوداً استثنائياً من فريق العمل الوزاري العتيد، القادم للمُهِمّة الصعبة غير المُستحيلة، في حال كانت نيات (العُشّاق الجُدد)، سليمة وخالية من أي عرقلة لمسار التأليف بمطالب تعجيزية من هنا وأشكال “وحدوّية” من هناك، بهدف تكبيل حركة رئيسها، ومصطلحات “إشكاليّة” تُساهم في تأخير تأليفها.
لنتخايل معاً حكومة رشيقة خالية من أي حزبي ومن أي مُرشّح للانتخابات كما قال رئيسها المُكلّف بالأمس، حكومة بيانها الوزاري مُقتَضَب ومتواضِع، حكومة أشبه بـ”خليّة نحِل” لا تهدأ قبل إنجاز المهمة الأساس، أي انتخابات بأسرع وقت ممكن. حكومة كاملة على صورة رئيسها ومثاله، حكومة “سلام” في زمن الحروب التي تعصف في محيطنا المُلتَهِب بنيران الوحوش المُتربِّعة على العروش البالية.
الشعب اللبناني يريد حكومة لا تُشبِه التي سبقتها بشيء من ذلك النأي بالنفس الـ”بلا طعمة”، حكومة تكنّ المودّة للشعب السوري المقهور، الذي بفضله تمّ الحفاظ على أشرف ريفي في موقعه حتى تقاعد، وبفضله أيضاً وبغزارة دماء الشهداء الأطفال، تمّ تمويل المحكمة الدولية ولوّ بطريقة ملتوية، في حين اغتالَت عبوات سماحة ـ المملوك التابعة للنظام، وسام لبنان الحسن.
الشعب اللبناني يريد حكومة تُحِبّ الشعب السوري من دون أن تتدخل لا بالقِتال ولا بالتصفيق للإجرام ولا حتى بتكريس وزير خارجيّتها مدافعاً ديبلوماسياً أول عن قاتِل أطفال، يريدها حكومة الحياد الإيجابي.
يحق للبنانيين أن يحلموا في زمن “الممانعة”، هذا الزمن الذي بتنا نحتاج فيه إلى خبرة المقاومة في حماية الحدود مع سوريا من الانتهاكات الأسديّة، وما أكثرها، حيث لا “يونيفيل” ولا “خط أزرق”، بدلاً من إرسال خيرة من المُغَرّر بهم للدفاع عن نظامٍ ذبَحَ لبنان وشعب لبنان ولم يزل، من الوريد إلى الوريد.
