#adsense

المصير البائس لانقلاب “القمصان السود”

حجم الخط
 

ثمّة بعدٌ ينبغي عدم تضييعه في النقاش السياسي المتّصل بتشكيل الحكومة الجديدة: المصير البائس الذي لقيته في نهاية المطاف عملية الإجهاض القسريّ من طرف “حزب الله” وسياسة النظامين الإيراني والسوري في لبنان لنتائج الانتخابات الماضية.

هذه العملية ارتكزت على آليات استخدام السلاح في الداخل والمناخات الموازية، كما استفادت في مرحلة أولى من استمرار المراهنات العربية كما الدولية على فصل المسارين “النظامين” الايراني والسوري عن بعضهما البعض، لتنتقل في مرحلة تالية الى نقض “صلح الدوحة” ثم الى ممارسة سياسة تغلّب مذهبي مسلّح شنيع يطعن بكل كيانية ميثاقية لبنانية.

حار “حزب الله” ودار بين حرب تموز وجريمة السابع من أيار وانتخابات حزيران ألفين وتسعة، وتوعّد بأنه لو فاز سيعيد تشكيل السلطة، بمعنى إعادة تأليف ليس فقط نظام الحكم، بل عموم النظام، بل صورة الكيان. أما لو خسر فإنه سيترك الآخرين يحكمون في السياق التقليدي للحكم على الطريقة اللبنانية. لكن ما إن خذلت النتائج حزب الخمينيين الخامنئيين حتى طعنوا بصلب الاستحقاق، وقالوا إنه لا يقرأ بالنسب البرلمانية لهذا وذاك، إنما بالتصويت الشعبي. ثم عملوا مستندين الى مركب القوة العنفية لديهم، في مقابل التصدّع المتفاقم عند خصومهم بعد غزوة أيار، إلى إعادة تشكيل معادلات الأكثرية والأقلية داخل المجلس، مستفيدين من خطأ أساسي لـ آذار في الانتخابات الماضية: الودائع البرلمانية، وكانت أشبه بقنابل موقوتة.

لكن ما الذي حدث بعدها؟ أيضاً حار ودار “حزب الله” بين عرضه الفنيّ ما بعد الحديث “القمصان السود ذات صباح باكر” وما بين العروض الرتيبة جدّاً لزعيمه الذي يقدّم نموذجاً عن قيادي يمكنه أن يخسر في كل طلّة كلامية مزيداً من نصيبه من الكاريزما من دون أن يخسر شعبيته داخل بيئته التي ما زالت حتى إشعار آخر “قاعدته الآمنة”… آمنة لولا المغامرات العدمية التي يمكنه أن يندفع بها ويزج ليس فقط بيئته الأهلية، بل البلد ككل، في أتونها.

وراء هذا ثمة منطق يتهافت: منطق أحقية “حزب الله” في الحكم وتعفّفه عنه من باب “طيبة القلب”.

لا نعرف أياً من اليساريين السذّج أخبر بعض “حزب الله” بأنه في بلدان أخرى المقاومات كانت تصل إلى السلطة بعد التحرير. المهم أن هذه المقولة انتقلت الى خطاب الحزب ليقول من ثمّ إنه يتعفّف عن سلطة من حقه، وينفتح دائماً للتشارك على مائدتها.

في الواقع، المقاومة هي أولاً مفهوم ملتبس. لن ينتهي يوماً السجال في أوكرانيا لمعرفة ما إذا كان ستيبان بانديرا ومقاومته الأوكرانية هي حركة مقاومة لاحتلالات بولندية وسوفياتية وألمانية أم حركة خيانة وطنية. أما المقاومة البولندية الأساسية ضد النازيين فقد قمعها السوفيات والشيوعيون البولنديون. والمقاومة اليونانية استساغت حرباً أهلية تصادفت مع تقسيم عالمي لمناطق النفوذ فكان مصيرها مأسوياً. ليست القاعدة أن تنجح المقاومات ككيانات سياسية، بل يمكن أن تنهزم أو تنفجر من داخلها أو تتصدّع أو يلتبس مفهومها. كذلك ليست القاعدة أن تصل المقاومات الى الحكم.

ليست كل المقاومات مشاريع حروب أهلية من الأساس، وليست كلها ملتبسة الصفة بين المقاومة والعمالة. وبعضها يسجّل له كيف استطاع أن يعمل أو أن يتأقلم بسرعة مع عودة دولة القانون من بعد اندثارها. لكن ما ينبغي أن يقال إن “حزب الله” ليس من هذا الصنف الثاني “الحميد”… بل من الصنف الأول، لكن التركيبة اللبنانية، مع كونها عاجزة عن دفعه باتجاه الواقعية والحوارية، إلا أنها تحكم عليه بأن يبقى يدور ويدور حول نفسه، على أن يسدّد البلد فاتورة هذا الدوران.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل