ليست كبسة زر، ولا هي لعبة سحر ساحر، إنها «الواقعية السياسية» التي تضبط ردود الفعل والانفعالات الطائشة، عندما تسود الحكمة والمنطق في التعامل مع التطورات المفاجئة، سواء كانت نتيجة عوامل داخلية، أم هي نتاج تفاهمات خارجية!
هذه المقدمة لا بدّ منها، لكل من يحاول فهم حقيقة ما جرى في الأسابيع القليلة الماضية، بين «صدمة» استقالة الرئيس نجيب ميقاتي، و«مفاجأة» الإجماع على تسمية الرئيس المكلف تمام سلام.
ومثل هذه الأحداث والتطورات المتسارعة ليست غريبة عن الوضع اللبناني، الذي غالباً ما يتأثر مساره بالرياح الخارجية، من إقليمية ودولية، والتي تلعب دوراً مؤثراً في تغيير اتجاه المسار في معظم الأحيان.
وكما كان «الانقلاب» على حكومة الرئيس سعد الحريري نتيجة رياح الصفقة الأميركية – الإيرانية، عشية الانسحاب الأميركي من العراق، يمكن القول إن الإطاحة بالحكومة الميقاتية، وترشيح تمّام سلام لرئاسة الحكومة العتيدة هو نتيجة رياح معاكسة هبّت من الغرب والشرق في وقت واحد، وأدت الى تفاهم على فتح صفحة جديدة، تنهي مرحلة التفرّد بالسلطة، وتُعيد الأطراف اللبنانية إلى جادة الوفاق والحوار، في محاولة جدّية لتجنيب البلد مضاعفات الأزمة السورية المحتدمة، والحؤول دون الانزلاق إلى مهاوي الفتنة!
الفارق بين الحدثين المفصلين، أن «الانقلاب» أقصى قوى 14 آذار عن السلطة، وتنكر أصحابه لتفاهمات الدوحة، وبنود الطائف، وذهبوا بعيداً في مجافاة الإجماع العربي، إلى جانب ممارسة الكيدية السياسية في الداخل. في حين حرص أطراف الوضع المستجد، على الحفاظ على توازنات المعادلة اللبنانية، وإفساح المجال أمام كل الأطراف للمشاركة في المرحلة المقبلة، وتحمل مسؤولياتها الوطنية، سواء بالنسبة لإجراء الانتخابات النيابية، أم حماية البلد من لهب النيران السورية، وصولاً إلى الحفاظ على الاستقرار الداخلي، رغم هشاشته الحالية، والابتعاد عن سياسات التصعيد والتهويل التي سادت في السنتين الماضيتين.
ولعل كلام الرئيس سعد الحريري من الرياض، عن اليد الممدودة للطرف الآخر، ولكن من أجل بناء الدولة والحفاظ على دورها، والذي نشرته «اللواء» عشية بدء الاستشارات النيابية، كان بمثابة رسالة واضحة المعاني، عن التوجّه الذي يحرص عليه تيّار المستقبل وحلفاؤه في 14 آذار، وبتشجيع من المملكة العربية السعودية بالذات، بهدف لملمة الوضع اللبناني، وإبعاد شبح الفتنة المذهبية.
ما زال من المبكر الحديث عن أطراف التفاهم الجديد، الذي لعبت الرياض دوراً مؤثراً في الإعداد له وصياغته وتنفيذه، ولكن تلقف قوى 8 آذار، وخاصة «حزب الله»، لهذا التفاهم والسير به في الاستشارات النيابية، والضغط على حليفه التيار العوني، للالتحاق به، بعدما سبق الرئيس نبيه برّي جميع الحلفاء بتبني ترشيح سلام، والإشادة بمزاياه في الاعتدال والانفتاح، يُؤكّد بأن وراء الأكمة ما وراءها!
المهم أن اللبنانيين سمعوا من قادتهم السياسيين لغة واحدة في الاستشارات النيابية، تجلّت في هذا الإجماع النادر على الرئيس المكلف، الأمر الذي يُحمّل هؤلاء القادة بالذات، مسؤولية مضاعفة أمام الوطن وأهله، في العمل من أجل تسهيل عملية التأليف، وإزالة المعوقات من أمام ولادة الحكومة العتيدة، لأن البلد بأمس الحاجة لتوظيف أجواء التفاؤل، ومناخات الوفاق حول الرئيس تمّام سلام، من أجل استعادة الثقة في الداخل والخارج بالوضع اللبناني، وبهدف الإسراع بترميم العلاقات مع الأشقاء العرب، وخاصة دول مجلس التعاون الخليجي، فضلاً عن ضرورة طمأنة اللبنانيين إلى غدهم ومستقبل أجيالهم.
إن الإسراع، لا التسرّع، في تشكيل الحكومة، من شأنه أن يُسرّع خطوات الخروج من الأزمات الاقتصادية والسياحية والمعيشية التي يتخبّط بها البلد، نتيجة جمود الحركة الإنتاجية واستمرار المقاطعة الخليجية، وتواري الاستثمارات في القطاع العقاري، والقطاعات المنتجة الأخرى.
ناهيك عن أن ولادة الحكومة الجديدة، ستوفّر الزخم اللازم لفرض الأمن، واستعادة هيبة الدولة، بإدارة حكومة يتحمل مسؤولية نجاحها في مهماتها، كل الأطراف السياسية التي أجمعت على اختيار رجل الحوار والاعتدال لرئاستها.
فهل نحن أمام مرحلة جديدة من «الواقعية السياسية» القادرة على استيعاب ما يجري حولنا، وفي الإقليم، من أحداث وتطورات… وتفاهمات؟!