يتردد في الآونة الأخيرة أن بعض الشخصيات اللبنانية، الممنوحة جوازات سفر خاصة، تتعرّض للتحقيق في عدد من مطارات العالم، لان ثمة سلطات في بعض المرافق الجوية لا علم لها بهذا النوع من “الباسبورات” ولا تعترف بها، ما يُزعج تلك الشخصيات لدى التدقيق في جوازاتها. لماذا يحدث هذا الأمر؟ وهل مثل هذه الجوازات غير موجود في دول العالم؟ وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا تُعطى، ولمَن، ووفق أي شروط؟
على رغم صدور اتفاق فيينا، الذي يُنظم مسألة الجوازات ويرعاها، لا يزال لبنان يخرق قوانين هذا الاتفاق، جراء فوضى جوازات السفر الخاصة التي تمنحها وزارة الخارجية لأعداد لا بأس بها من الشخصيات اللبنانية. هذا ما كشفته أوساط ديبلوماسية لـ “النهار” لدى سؤالها عن الموضوع.
يُعتبر جواز السفر الخاص غير شرعي، على رغم اعتماده منذ أكثر من 50 عاماً، وتزداد أعداده تباعاً، ولا أحد يضع حداً لهذه الفوضى أو يُنذر بحلها إلى الآن. لماذا؟ تجيب هذه الأوساط: “لأن هذا الجواز غير معترف به دولياً وفق اتفاق فيينا الذي يرعى العلاقات بين الدول، والذي يُنظم نوعين من الجوازات فقط: الجواز الديبلوماسي الذي يعطى وفق شروط قانونية محددة، و”جواز مهمة” الذي يمنح للموظفين الكبار الذين يسافرون بموجبه إذا كانوا في مهمة رسمية”.
ويتوزع أصحاب هذا الجواز على النواب والوزراء السابقين والمديرين العامين. ويحمله أيضاً رجال الدين مسلمين ومسيحيين، فضلا عن القضاة ومجموعات من الضباط ومستشاري الوزراء وغيرهم.
بدعة الجواز الخاص
لبنان هو البلد الذي اخترع “الباسبور” الخاص منذ أكثر من خمسين عاماً، تماشياً مع الواقع اللبناني السياسي، والطائفي والاجتماعي. “وهذه بدعة لبنانية لمنح النواب باسبوراً خاصاً، كونهم لا يحق لهم حمل جواز ديبلوماسي” على ما يفيد المصدر، مضيفاً: “وبما أن الجواز الخاص غير قانوني ومخالف للقوانين الدولية، فلا يجوز أن تحصل عليه أي شخصية لبنانية، لأنه ليس كالجواز الديبلوماسي الذي يُمنح لشخصيات من فئات محددة”.
والمفارقة أن الكثيرين حصلوا على هذا الجواز أثناء الحرب اللبنانية، إذ كانت وزارة الخارجية تفرّط باعطاء الجوازات الخاصة عشوائياً من دون شروط تذكر، حتى أن السفارات والبعثات اللبنانية في الخارج تصدر هذا النوع من الجوازات، ولديها صلاحية منحه وتجديده لمن تشاء، إلى أن بلغ الوضع حدّ الفلتان. فمع مرور الوقت تكتشف دول الخارج أن الجواز الخاص غير قانوني. وانطلاقاً من هذه النقطة، “لا تعتبر وزارة الخارجية المذنبة الوحيدة، فالمشكلة الحقيقية تكمن في ضغوط النواب عبر رئاسة المجلس للحصول على هذا التمييز، أو منحهم جوازاً ديبلوماسياً”.
لا شيء تبدّل على هذا الصعيد مع تعاقب وزراء الخارجية على هذه الوزارة، وكانوا يسعون إلى إلغاء هذا الجواز الخاص، “لكنهم في كل مرة يصطدمون باعتراض شديد من جانب أعضاء المجلس من دون إيجاد حل بديل”.
ماذا يُقدم جواز الخاص لحامله؟
تؤكد الأوساط إنها “حفلة وجاهة” لا أكثر ولا أقل. “فهو لا يفيد حامله من أي مساعدة، ولا يُسهل أمور التأشيرات، ولا يُمهد الدخول إلى مكان معيّن، ولا يعطي أي حصانة ولا حتى أي امتياز، بل على العكس يُولد مشكلات لدى الكثير من سلطات مطارات العالم التي ليست على علم به، لذلك، تخضع الشخصيات لدى مرورها في هذه المطارات إلى تدقيق الأمن وتحقيقاته”.
ممارسة الخارجية صلاحياتها
من سلبيات هذا الجواز أنه كلما واجه لبنان مشكلة أمنية أو وضع تحت رقابة الدول الأجنبية، وغير ذلك، تُخضع السلطات في المطارات حاملي هذه الجوازات الى سلسلة من الأسئلة والتدقيق.
وفي رأي المصدر الديبلوماسي، “بما أن الباسبور الخاص غير موجود قانونياً في القانون الدولي أو في المعاهدة الدولية، فيجب أن يكون الحل عبر الغائه بالمطلق لكي لا يسبب مشكلات، حتى وإن وجدت نصوص في القانون اللبناني في شأن هذا الجواز، فهذه النصوص تتناقض وقوانين المعاهدة الدولية والاتفاقات الدولية ويجب وضع حد لها وحصرها بفئة محددة أو إلغائها كلياً”.
وكشف المصدر أن وزير الخارجية السابق فارس بويز، عندما لم يستطع معالجة هذا الموضوع جذرياً، عمد إلى خفض عدد الجوازات الخاصة إلى 170 باسبورا، بعضها لأعضاء في مجلس النواب وبعضها الآخر لأعضاء في الهيئة القنصلية. “غير أن القناصل الفخريين رفضوا هذا الإجراء، باعتبار أنهم قناصل دول وطالبوا بجوازات خاصة، وهذا ما حصل”.
ويبدو أن المشكلة تتفاقم لعدم تمكن وزير الخارجية والمغتربين من ممارسة صلاحياته، وينحصر الأمر بالمسؤولة عن دائرة الجوازات في الوزارة فرح بري، في حين كان المسؤول السابق عن هذه الدائرة موظفاً فئة ثانية، وكان يراجع الوزير أو الأمين العام في كل قضية. هذا الأمر لا يحصل الآن بل ثمة فوضى عارمة، و”حرب باردة” كما وصفتها الأوساط الديبلوماسية، آخذة مداها حتى الفلتان…