|
|
||||||
انقلاب، قمصان سود، 7 أيار، تهديد الجبل، تنسيق وزاري سوري وإيراني، تدخل في شؤون لبنان، حكومة الطرف الواحد، حكومة “حزب الله” والنظام السوري، وحدة المسار والمصير، التذكير اليومي بالإتفاقيات الثنائية، النأي بالنفس.. كلها عبارات سقطت مفاعيلها باستقالة رئيس الحكومة نجيب ميقاتي وإن بقيت التجربة راسخة في عقول اللبنانيين ليتعلّم منها كل من تسوّل له نفسه تهديد أي طائفة أو منطقة في لبنان..
لغة التهديد والوعيد والتشبيح، هدأت. لبنان خرج من كابوس الحكومة الميقاتية وتنفّس اللبنانيون الصعداء. فوّهة السلاح التي كانت مسلّطة على رؤوسهم زالت، تحلحلت أزمة السكوت عن الحقّ، ويبدو ان الفترة التي تلت استقالة الحكومة حتى تكليف النائب تمام سلام تشكيل حكومة جديدة مرت بمرحلتين كشفت عن نوايا وزراء حكومة السلاح.
فالإستقالة لن تعوض خسارة لبنان لنموّه، ولن تلغي استئثار طرف بالبلد تحت أنظار الرئيس “المنقذ”، لكنها أراحته، فهذا “المنقذ” لم تكن تعنيه الوحدة الوطنية حين رضي بأن يكون على رأس حكومة الأقلية التي لن تمحى خطاياها بسهولة.
فرئيس الجمهورية الذي ضاق ذرعا بممارسات بعض الوزراء حاول جاهداً حث الجميع وعلى رأسهم رئيس الحكومة لتطبيق الدستور. وهو لم يطلب شيئا سوى تطبيق الدستور واحترام السيادة، وأي حكومة وحدة وطنية ستكون بالنسبة إليه أفضل من حكومة كانت تحتكر لسلاحها وبسلاحها مقدرات البلد. في النهاية وحدها الحكومة التي لم تمتثل لتمنيات رئيس الجمهورية هي من ستحاسب وقد حان وقت الحساب.
وقد أحدثت استقالة الحكومة نقلة شكلية في أداء وزير الخارجية والمغتربين عدنان منصور حين “استدعى” السفير السوري الذي كذّب الإستدعاء.. وقد كشفت الإستقالة أيضا نوايا وزير الطاقة والمياه جبران باسيل الذي يسعى الى “سلب” مشاريع سعى إليها غيره، متنازلا ربما عن “تكبّره” على مال الصناديق العربية لتمويل المشاريع. كذلك تبدلت لهجة نواب “حزب الله” والدليل ما قاله رئيس كتلة “المقاومة والتحرير” النائب محمد رعد “نحن قوم ننشد الإستقرار والهدوء ونعرف كيف نزن الأمور وكيف نحسبها”.
لكن مهما كانت “الإنجازات” الإنتخابية لفترة ما بعد الإستقالة فإن تسمية سلام لتشكيل حكومة جديدة بدّدت بسحر ساحر السقف العالي في تصريحات “مستوزري” حكومة السلاح، لا بل حملت الجميع على الإلتفاف حول الوحدة الوطنية.. انفرجت أسارير اللبنانيين بعدما ناشدوا ميقاتي الإستقالة، وما هي إلا ثوان حتى أقفلوا الباب على مرحلة من الإستبداد والغطرسة ليستقبلوا تمام سلام وكلّهم أمل في قدرته على أن يحقق لهم ما هم يصبون إليه. ولأنه نال عددا كبيرا من أصوات المجلس يتوقّع اللبنانيون أن تكون إنجازاته على كل المستويات، أي ليس فقط على مستوى القانون الإنتخابي.
المهمّ أنه من الضروري أن يفهم ميقاتي، الذي حارب سلام من تحت الطاولة وصوّت له حين لمس أن الحلفاء غضّوا الطرف عنه، ليس لأن سلام سيكون البديل منه وشتّان ما بين رئيس حكومة السلاح ورئيس حكومة وحدة وطنية، إنما لأن ميقاتي لم يتمكن من حماية إرث السلاح كما فشل في الحفاظ على أمانة الكراسي والمؤسسات..
هذا التبديل في اللغة الذي تركته استقالة حكومة ميقاتي انعكس على الشارع السياسي وفي نفوس اللبنانيين الذين استعادوا حلم إرجاع لبنان كما عهدوه “لبنان الرسالة”. وإن كان عند البعض هذا التغيير وهميا، فالواقع يفرض ظروفه والتجربة تعيد نفسها إذ لا يتنفس لبنان إلا حين تكفّ يد النظام السوري عن كبته، ولا يستعيد اللبنانيون حريتهم ونشاطهم إلا حين يلتفّ السياسيون حول سلاح لبنان الشرعي ويكفّ الطرف المسلّح عن معاندة قدر الأحرار والوقوف في وجه ثورة الشعب. الآن وقد استقالت حكومة بشار الأسد، بعض السياسيين يطمح الى المراكز أما اللبنانيون فيتطلعون الى السلام، الى حكومة تمام سلام على أنه من استحال الكابوس الى أحلام!