#adsense

النفخ في اللبن!

حجم الخط

لفحت نسائم الانفراج المناخ اللبناني المأزوم والقلق بعد تكليف الرئيس تمام سلام تشكيل الحكومة كأنه محطة مفصلية قلبت صفحة وفتحت اخرى على انقاضها. ومع ان لهذا الانفراج ما يبرره في كثير من العوامل الموضوعية الخارجية والداخلية التي ساهمت في الحدث، يبدو من الخطورة بمكان المضي في تضخيم بعض الجوانب منه والاستناد اليها كاحكام مسبقة متسرعة على النتائج والنهايات مما من شأنه ان يحبط اللبنانيين لاحقا عند نشوء صدمات سلبية…

لا يتصل الامر هنا بالعقبات المتوقعة في تأليف الحكومة فقط، بل ايضا في استسهال وضع اللبنانيين امام صورة لاواقعية تماما عن تحول في لبنان يجعله قادرا بسحر ساحر، وبين ليلة وضحاها على عزل نفسه عن الازمة السورية.

ولعل خبراً من بضعة اسطر قبل يومين عن مقتل عنصرين من “حزب الله” في منطقة القصير السورية، بدا كافيا بذاته وبدلالاته لرشق الوجوه الباسمة بالمياه الباردة واعادتها الى الواقع “الميداني” الذي يتحدى لبنان بأسره.

واذا كان يمكن اعتبار التسريب المقصود لهذا الخبر بمثابة رد اولي على موقف الرئيس سلام في تأييده الصريح من دون اي مواربة لثورة الشعب السوري على النظام، فان مسألة التأليف على اهميتها تغدو ثانوية امام البعد الاوسع والاخطر الذي سيواجهه لبنان خصوصا في حال اندلاع معركة دمشق التي يكثر الكلام عليها.

لا يعني ذلك بطبيعة الحال التقليل من اهمية التطور الذي يرافق انتقال السلطة في لبنان، بدفع من ادوار خارجية وداخلية مؤثرة لاعادة توازن سياسي اختل بعمق في العامين الاخيرين. ولكن التجارب اللبنانية، الحديثة والقديمة، رسمت معالم عميقة لا تمحى في جلود اللبنانيين يقتضي معها تهيب الافراط في “الابتهاج” ورسم احكام مسبقة حيال حدث بالكاد يخطو بخطواته الاولى. وكيف حين يكون الامر متصلا بأخطر حلقات الازمة السورية ونهاياتها الافتراضية؟

ولعله من الحكمة في هذا السياق الالتفات الى مستوى الحذر الاميركي في التعامل مع الحدث اللبناني الناشئ علما انها تكاد تكون مرة نادرة لم يتهم فيها خصوم السياسة الاميركية  الادارة الاميركية بالضلوع في “الانقلاب” على الحكومة المستقيلة.

واذا كان التشكيك المسبق في الانفراج الموعود يبدو اشبه بتنغيص غير لائق على اللبنانيين، فإن الاسوأ من هذا التشكيك هو زجهم في اوهام مضخمة، مقصودة او عفوية، فيما لا تزال رحلة الحدث الناشئ في بداياتها  تحفها من كل الجوانب حقول الغام واقعية ومفترضة في آن واحد. ولا يلام مشكك في لبنان خصوصا على مشارف “المقلب الآخر” من بهجة الحدث الذي سيخرج اسرار “التكليف الكبير” والتحاق الجميع به من غرف الظلام. وكيف يلام من ينفخ في اللبن بعدما اكتوى بالحليب!

المصدر:
النهار

خبر عاجل