كتبت صحيفة “النهار”:
على رغم ملامح الانقسام التي ارتسمت تكرارا امس في اجتماع هيئة مكتب مجلس النواب وأدت الى إرجاء الجلسة النيابية العامة الى اليوم، لم تفاجئ هذه الحصيلة السلبية اوساطا مواكبة للحركة السياسية النشيطة في البلاد التي تشهد فورة واسعة منذ تكليف النائب تمام سلام تشكيل الحكومة الجديدة. ذلك ان ثمة من انتابته الخشية من ان يؤدي ملف قانون الانتخاب والملف الانتخابي كلا الى اقتحام الجو التوافقي الذي برز فجأة في البلاد حول الرئيس المكلف، وان تعود تعقيدات هذا الملف لتحاصر مهمة سلام وهي في بواكيرها وبداياتها.
ومع ان هذه المخاوف بدت واقعية، وهي لا تزال قائمة، وربما مرشحة لأن تظهر بقوة أكبر لاحقا، فإن الاوساط نفسها تبدي نوعاً من الاطمئنان الى ان ثمة للمرة الاولى مناخا محصنا بمجموعة عوامل برزت بمواكبة تكليف سلام وشروعه في الاستشارات النيابية لتأليف الحكومة من شأنها ان تكفل في الحد الادنى اعطاء فرصة مهمة لقيام تفاهمات سياسية ستغدو هي حزام الامان في الاشهر المقبلة لمنع سقوط لبنان في محظور الفراغ الدستوري من جهة، ومحظور الانهيار الامني من جهة اخرى.
ووفق معطيات هذه الاوساط الواسعة الاطلاع فإن حركة السفراء التي شهدتها دارة المصيطبة في الايام الاخيرة والمرشحة للتعاظم تباعا، أبرزت بما لا يقبل جدلا ان معظم الدول الاقليمية والغربية المؤثرة في الواقع اللبناني تقاطعت مصالحها عند دعم التغير الحاصل في لبنان، ولو على قاعدة مرحلة انتقالية او مرحلة ادارة لمواجهة استحقاقي الانتخابات النيابية وتحصين الاستقرار الداخلي. واذا كان السفيران الروسي والايراني من اوائل “من خفّوا” أرجلهم الى دارة المصيطبة مهنئين ومطلقين مواقف الدعم لمهمة الرئيس المكلف، فإن هذا الامر اكتسب دلالة لا يمكن تجاهلها لدى رؤية السفير السعودي علي عواض عسيري، الذي لعبت بلاده دورا مشهودا كالعراب الاساسي للمرحلة الطالعة الجديدة في البلاد، ينقل رسالتي التهنئة من العاهل السعودي وولي العهد للرئيس المكلف. ومع ان ثمة من يدرج الامر في اطار البروتوكول المعهود لدى تغيير الحكومات، فإن أبعاد تكليف سلام تحديدا تختلف عن هذا الطابع وتتجاوزه الى ابعاد أعمق. إذ تقول الاوساط نفسها أن المعادلة التي رافقت التكليف بدت كأنها تمددت وانسحبت على مواقف الدول باختلاف مواقعها من الازمة السورية والواقع اللبناني. وبمعنى أوضح انه، كما سمت 14 آذار والنائب وليد جنبلاط سلام مرشحها للتكليف ثم وافقت عليه قوى 8 آذار وانضمت اليه، سلمت الدول الداعمة للنظام السوري ولا سيما منها روسيا وايران، بعودة الحضور السعودي الى لبنان ورعايته التطورات الناشئة منذ تكليف سلام.
في ظل ذلك تضيف الاوساط ان هذا البعد الخارجي الذي ينتظر ان يتبلور تباعا، يبدو الواقع الداخلي بدوره متجها نحو استمرار المرونة حيال الاستحقاقات المقبلة، بدءا بتأليف الحكومة مرورا بالتفاهمات المرتقبة حول الملف الانتخابي. ومع ان موضوع تجميد مهل الترشيحات، ايا تكن التسمية التي ستتبع حيالها، قد لا يكفي وحده للحكم على توجهات القوى السياسية والكتل السياسية في شأن ملف قانون الانتخاب الجديد، فإن الاوساط تتحدث عن اتجاه جاد للغاية للمضي نحو توافق على المشروع المختلط لقانون الانتخاب.
وتشير الى ان هذا الاتجاه من شأنه ان يساهم مبدئيا، وعلى رغم واجب التحفظ دوما لأن شياطين التفاصيل غالبا ما تهدد بمفاجآت سلبية، في تسهيل مهمة الرئيس المكلف تشكيل الحكومة لأنه من غير المنطقي ان تتجه الطبقة السياسية بكل قواها نحو تسوية لقانون الانتخاب فيما يجري وضع العصي في دواليب مهمة الرئيس سلام.
وفي اعتقادها ان طبيعة المهمة الانتقالية للحكومة العتيدة لا تثير قلقا كبيرا لدى القوى السياسية، كما جرت العادة لدى تشكيل الحكومات السابقة، باعتبار ان الحصص الوزارية في هذه الحكومات كما المدة الطويلة لولاياتها تشعل غالبا صراع المحاصصة. اما مع الحكومة العتيدة التي حدد رئيسها المكلف مسبقا مهمتها بالاشراف على الانتخابات، وذهب، كما نقل عنه، الى تحديد مدة مفترضة لها لا تتجاوز الاربعة اشهر، فإن عاملا ايجابيا يمكن البناء عليه في اطلاق يد الرئيس سلام في تأليفها خصوصا انه ابدى حرصه الواضح على الانفتاح على سائر القوى، وهو سليل مدرسة “التفهم والتفاهم” الشهيرة التي كان والده الراحل الرئيس صائب سلام رمزها.
وايا تكن الاحتمالات التي قد تحملها الايام القليلة المقبلة، فإن الاوساط نفسها تعتقد ان فرصة الوصول الى سلّة تفاهمات أضحت الآن أكبر بكثير مما كانت عليه قبل اسابيع قليلة، ذلك ان احدا لم يكن يتوقع الشهر الماضي كل التطورات المتعاقبة السريعة التي حصلت بدءا باستقالة الرئيس نجيب ميقاتي. كما ان المخاوف كانت في ذروتها من احتمالات زعزعة الامن في البلاد. وليس في المشهد الناشئ منذ اسبوعين الا الدليل على ان ما جرى خلالهما لا يمكن حصره بالبعد الداخلي وحده، مما يعني ان ثمة تقاطع مصالح خارجية على منع انهيار لبنان ولو استلزم الامر انتظار بعض الوقت لتبين الوسائل التي تحقق هذا الهدف.