كتب علي مغنية ووسام أبوحرفوش في صحيفة “الراي الكويتية”:
تدور خلف الستائر المقفلة في قيادة «حزب الله» عملية تقويم مفتوحة للأوضاع في لبنان وسورية والعراق وفي اسرائيل أيضاً، ولأدوار الحزب الحاضر في الساحات، ولخياراته في الملفات الداخلية والاقليمية وكأنه في حال حرب متعدّدة الجبهة، بعضها يشتعل وبعضها صار اشتعاله حتمياً… ولو بعد حين.
تقارير وتقديراتٌ وخلاصاتٌ وخططٌ على طاولة «حزب الله»، وسط معطيات تؤشر إلى «تبريدٍ» في الداخل اللبناني بعد حماوة بلغت مستويات خطرة، وتوقّعات بـ «صيف حارق» في سورية لم تشهد مثيلاً له على مدى العامين من الصراع، اضافة إلى الاحتمال الدائم بامكان قيام إسرائيل بـ «عملٍ ما» زادت احتمالاته بعد زيارة الرئيس الاميركي باراك اوباما للمنطقة.
مفاجأة «حزب الله» اللبنانية كانت أخيراً في سرعة استغنائه عن «خدمات» حكومة الرئيس نجيب ميقاتي المحسوبة عليه، ومسارعته إلى تبني ترشيح النائب تمام سلام لرئاسة الحكومة المقبلة والذي قيل انه «خيار سعودي»… ويكاد ان يجفّ حبر بيروت الغارقة في قراءات هذا التحول في موقف الحزب المتهَم بتنفيذ «انقلاب» ضدّ الدور السعودي في لبنان العام 2011 (اقصاء سعد الحريري)، ومعاودته الترحيب بـ «حفاوة» بهذا الدور في الـ 2013.
«فتِّش عن سورية» وتداعيات الصراع فيها على كل شاردة وواردة. فقبل استقالة ميقاتي «غير المأسوف عليها» في نظر الحزب، كان القلق يساور قيادته حيال تعاظُم التوتر المذهبي وشظاياه المتطايرة في اكثر من اتجاه، وهي وجدت في ترشيح سلام كـ«خيار سعودي» فرصة سانحة لملاقاة الآخرين افساحاً في خفض التوتر المذهبي وابعاد شبح الانفجار.
ويقول مصدر قيادي في «حزب الله» لـ «الراي» ان «الحزب سيسهّل الطريق أمام تمام سلام إلى أقصى الحدود، وهو غير متمسك بوجوده في الحكومة الا من خلال تمثيل معنوي فقط، انسجاماً مع دوره السياسي كواحد من المكوّنات الرئيسية للنسيج اللبناني، وقطعاً للطريق على بعض الخارج الذي يعتبره منظمة إرهابية»، واصفاً ما يقال عن «عودة سعودية» إلى لبنان بـ «المبارَكة»، ومتمنياً ان «تولي المملكة الاهتمام للنواحي الامنية والاقتصادية والطائفية».
ويشير المصدر إلى «الدور الفعّال والمهمّ الذي يمكن ان تلعبه السعودية في حماية السلم الاهلي وابعاد شبح الحرب المذهبية وانعاش الاقتصاد»، معتبراً انه «دور مهمّ في لمّ الشمل، بعيداً عن الحسابات الضيقة لـ (14 آذار)، متوقعاً ان «تساهم الرياض في خفض مستوى التوتر المذهبي الذي كاد ان يطيح بالخطوط الحمر في المدة الاخيرة ويهدّد الوضع بالخروج عن السيطرة».
واذ يربط المصدر البارز في «حزب الله» بين ما هو عليه لبنان الآن وبين ما يجري في سورية، يشير بوضوح إلى انه «عندما جاءت حكومة الرئيس نجيب ميقاتي كان الوضع في سورية يختلف عما هو اليوم. فالوقائع في سورية تُظهر ان النظام يسيطر على مدن كبرى ويفقد سيطرته على مساحة شاسعة من البلاد»، وتالياً – يضيف المصدر – «ان تدخل «حزب الله» على الارض يتمّ في سياق وظيفة محدّدة، لانه يدرك ان ليس في وسعه قلب المعادلة، علماً ان الحزب لم ولن يتخلى عن نظام الرئيس بشار الاسد، وعن اعتقاده بأن لا مفرّ من مفاوضات مباشرة بين النظام والمعارضة لايجاد حل صُنع في سورية وبمنأى عن أيّ تدخل خارجي».
وفي تقدير المصدر عيْنه «ان الوضع في سورية سينعكس بشدّة على لبنان، خصوصاً مع ظهور مجموعات مسلّحة متطرفة وتكفيرية»، مشيراً إلى ان «القمصان السود لم تعد حكراً على الحزب، فثمة مجموعات بالثياب السود ترفع أعلام «لا اله إلا الله محمد رسول الله» انتشرت اخيراً في احد شوارع بيروت بكامل عتادها الحربي اثر حادث فردي قبل ان يتم سحبها، وصار أكيداً ان مَن لا يستطيع الذهاب إلى سورية للجهاد ينتظر للجهاد في لبنان»، آملاً ان «تلعب السعودية دوراً مساعداً لتعطيل الفتيل المذهبي او خفض توتراته او تأجيل انفجاره». ولهذا فان «حزب الله»، وبلسان المصدر القيادي فيه، يعتبر ان «الرئيس سلام المكلف تشكيل الحكومة، والذي يمثّل رأي السعودية، مرحَّب به من هذا المنطلق وسيلقى الدعم والتعاون، بغض النظر عن موقف حلفاء الحزب».
وربما هذا القلق الداخلي الذي يساور «حزب الله» ناجم عن تقديراته في شأن «التصعيد الهائل الذي ستشهده سورية في الأشهر المقبلة والانزلاق المتمادي في اتجاه المذهبية» بحسب ما يعكسه القيادي اللصيق بمركز القرار في الحزب، والذي يشير إلى ان «الاشهر القليلة المقبلة ستحمل أشرس المعارك على الاطلاق لأسباب عدة، بينها استباق الاطراف المتنازعة الاجتماع المرتقب بين الرئيسين باراك اوباما وفلاديمير بوتين بمحاولات شرسة لتعديل موازين القوى على الارض عشية المباحثات الاميركية – الروسية التي لن تؤدي إلى اتفاق بالضرورة»، متوقّعاً صيفاً حارقاً «فالغرب بدأ بتزويد المسلحين بصواريخ نوعية في الوقت الذي لا تبخل روسيا بانزال أحدث الأسلحة للنظام».
ويكشف المصدر البارز في الحزب لـ «الراي» عن «ان الأيام الأخيرة في سورية كانت على موعد مع معارك عنيفة وأكثر ضراوة من ذي قبل، خصوصاً في محيط داريا، وهي ادت إلى سقوط عدد كبير من القتلى في صفوف المسلحين، كما من الشهداء الذين قضوا داخل النفق الحمَساوي (نسبة إلى «حماس»)، فهذا النفق الذي اكتُشف كان يؤمن امداداً للمسلحين في اتجاه العاصمة دمشق ومحيطها»، لافتاً إلى انه «أصبح واضحاً دخول حركة «حماس» على خط المواجهات من خلال الاسلوب الذي اكتسبته من صراع «حزب الله» واسرائيل، لا سيما لجهة استخدام العبوات التمويهية وأشكال العبوات الموجّهة وفعاليتها».
وبكلامٍ بـ «المباشر» وبلا «رتوش»، يقول المصدر في «حزب الله» ان الصراع في سورية «تحوّل مذهبياً ويتجه إلى ازالة الشيعة من بلاد الشام»، مشيراً إلى «حرق مقام السيدة سكينة ومحاولة اقتحام مقام السيدة زينب، وفي المكانيْن لا توجد قوات للنظام ولا مستودعات أسلحة»، معتبراً ان «في الأمر ما يدلّ على الاتجاه السياسي التكفيري ضدّ الشيعة، وهو ما عززته دعوة ايمن الظواهري للقتال ضد إيران و«حزب الله» متناسياً ان الذين يدعوهم إلى اقامة دولة اسلامية يتلقون التدريب على ايدي الاميركيين والبريطانيين والفرنسيين في الاردن وداخل سورية، ويحصلون على الرعاية الصحية في إسرائيل».
ولا ينفي المصدر «سقوط شهداء من (حزب الله) في معارك الأيام الأخيرة في سورية، وفي القتال لاسترجاع مقام السيدة سكينة ومقام السيدة زينب»، موحياً بان «بلوغ الوضع هذا المستوى من الحرب المذهبيّة في ضوء دعوات الظواهري جعل سورية ارض جهاد للجميع».
