وقفة فرنسيّة ثمّ نعود إلى المصيطبة. هناك، إستقال وزير المال. إحفظوا إسمه جيّداً:” كا زو هاك”. إنفجرت إستقالته كالقنبلة العنقوديّة في وجه الطبقة السياسيّة. فالـ”كا” إرتطمت بقصر الإليزيه. والـ”زو” زلزلت الحكومة، بدءاً برئيسها. والـ”هاك” شوّهت اليسار وطرطشت اليمين.
الحكاية بدأت منذ أن سرّبت الصّحافة خبراً مفاده أنّ الوزير يملك حساباً مصرفيّاً في سويسرا لم يُعلن عنه تهرّباً من الضرائب. أنكر الوزير أمام الإعلام، مرّةً، مرّتين، ومرّات. هكذا:”عينك عينك”، ورفع دعوى قدح وذم. الصّحافة ردّت بإبراز تسجيل عمره عشر سنوات يُثبت مزاعمها، مما أجبر ” كا زو هاك” على الإعتراف بذنبه… وبكى. صُعقت الجمهوريّة، من بائع الباغيت إلى قصر الرّئاسة. ودعت الصّحافة إلى استقالة الحكومة برمّتها، لأنه ممنوع أن تكذب وأنت في الحكم. وتحرّك القضاء… من أجل ماذا؟ 600 ألف يورو لم يدفع الوزير التعس الضرائب عليها؟ لا، ولكن لأنه حاكم، ووزير، ونائب ومشرّع، ولأنّه كذب أمام البرلمان والشعب، صلبوه على خشبة كذبته.
الثورة الفرنسيّة أسّست للجمهوريّة. والجمهوريّة تحكم على أساس القيَم. وبدون قيَم، لا معنى للدّيموقراطيّة. يقول الفرنسيّون إنّها كانت الكذبة الأولى أمام البرلمان الموثقة بالصّوت والصّورة. لكنّ كذبة واحدة، في مكان كهذا، رقم كبير على أمّ الثورات وأمّ الجمهوريّات. لذلك وقف رئيس البلاد مفجوعاً ومصرّحاً بأن وزيره أهان فرنسا وشعب فرنسا. وقال رئيس الحكومة إنّ لا مكان لرجل كهذا في عالم السّياسة… وطرده من جنّة الحكم.
ولتعش الجمهوريّة!
عودة إلى المصيطبة. لمن قرعت الأجراس في بيت سلام؟ الجواب أعمق من قصّة تكليف. فالإبتهاج هذا هو لعودة القرنفلة البيضاء المهفهفة. هو حنين الى أيّام كان أهل الحكم يستحون فيه من فسادهم. هجمت الجموع على دارة التاريخ. وهي قرأت في ما رسمته الألعاب الناريّة في سماء العاصمة جملة خفيّة مفادها أن “أطلبوا الخير من بطون شبعت ثمّ جاعت لأنّ الخير فيها باقٍ، ولا من بطون جاعت ثمّ شبعت لأنّ الشحّ فيها باقٍ”. وهي، من هنا، تعلم أنّ القامة الوطنيّة التي كُلفت بتشكيل الحكومة ليس لها حساب تخفيه ولا خطاب كاذب تلقيه.
ماذا ننتظر من دولة الرّئيس المكلّف؟ ننتظر منه أكثر من إنتخابات في موعدها. ننتظر كلنا منه أن ينتهز هذه الفرصة التاريخيّة ليجترح قنابل عنقوديّة في وجه لصوص الجمهوريّة… مع يقيننا أنّه نظراً الى قصر الوقت وضخامة الهدف سيحتاج إلى قنبلة نوويّة إذا شاء أن يُتمّمها عالتّمام!