لم يكن في خلدي أن يصل لبنان يوماً إلى ما وصله من درك ، لجهة التمادي في استغباء الناس واستزلامهم وشراء ذممهم أو أصواتهم أو سكوتهم ، بحسب الحالة والحاجة .
إذا تابع وزير تنفيذ مشروع أُقِرَّ في عهد سلفه البعيد ، وأُطلِقَ في عهد سلفه القريب ، لا يتورع عن تمنين الناس ، ويزرك رؤوسهم وأبصارهم وصدورهم بجميله ، كمن نظر إلى السماء فوجدها ملبّدة ، وقد بدأت تبرق وترعد ، فخرج إلى الشرفة صارخاً : سآتيكم بالمطر ، سأجعلها تمطر بعد قليل . هيا ، أمطري يا سماء . وثمة من يصدّق ، فيركع له شاكراً حامداً .
وإذا كبس وزير زراً لتدشين مشروع جديد ، يغمز جماعته لطلس الجدران وشبشلة الجسور باللافتات والشعارات التي تحيي وطنيته وآدميته وإنجازاته ، وتعاهده الوفاء ، بينما في الجانب الآخر ، يتولى أزلام آخرون إحصاء الأرباح والمغانم .
هذا ماريشال أو أميرال كي لا نقول جنرال ، يعلن الحرب على الكون أجمع ، ويطلق النار يمنة ويسرة ، ويقد المراجل عالطالع والنازل ، علماً أن لا أحد يقاتله ويرد عليه او حتى يراه احياناً .
وقبل أن تنكشف الفضيحة الدونكيشوتية ، يخترع شعاراً أو نزالاً جديداً ، وهو يصرخ: هذا “البقلاوة” ، كي لا نقول السنيورة ، بدي ربّيه ، وقيمتو على هوني شغلة .
شو صار ؟ شو عدا ما بدا ؟ الله أعلم . لكن الجمهور “العايز كده” يهلل ويصفق وينتشي ويسحنفر :
ولَو رجّال يا شيخ . وقف بوجّو !
سمعتو أيش قلهن ؟ قرّصلهن عجينن !
وإذا تجرّأ أحد وجادلهم بالتي هي أحسن ، طبّوا عليه :
روح ياه ، هودي سرقوا البلد . زعران . مش رح نخلص منهن بقى .
نعم يا سادة .
هذا هو بعض شعبنا . يحب الهوبرة والدبكة والهيصة .
يعود حنا مساءً إلى بيته . يجترّ عروس الجبنة التي تكاد تحمّض ، أمام تلفزيون بلا دش يلتقط محطتين ، والمحطات الأخرى قبرصية وتركية مغبّشة ، ويغفو على الكنبة ، لتوقظه زوجته بخشونة نسائية ملحوظة !
وفي الصباح ، تبدأ الزوجة المصون قرقعة الجلي ، علّه يحسّ على دمه . وعندما يطل عند باب المطبخ ليشحد “كدّوشة” زعتر ، تدب الصرخة : روح عملّك شغلة تنفع ، رح تموتنا من الجوع !
– روقي يا مرا ما سمعتي الماريشال أيش قال مبارح ؟
وفجأة ، تختفي ذاكرتها الطويلة والمتوسطة المدى ، وتظهر ذاكرتها القصيرة لتهتف : يقبرني ربو ، ما خلّالهن ولا بقّالهن !
ينشرح الزوج ويرد :
بفضل الصهر ، رح تصيري بكرا تمشي عالبنزين ، وأنا دور عالغاز ، ومصاري على قفا مين يشيل .
فترد بدورها : يسلملي هالصبي أيشو شاطر وشغيل . أيش من بلاش حطو الماريشال حدو ، ومركّبو عالوزارة ؟!
